تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
حمد اللّه ، وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ثم قال : « أما بعد : فإني كنت أتدهدى ، في غمرة ، « 1 » وأعوم في بحر غواية ، أخنى علىّ خطلها ، واستفزّنى وهلها « 2 » ، فتحيرت في الضلالة ، وتسكّعت في الجهالة ، مهرعا عن الحق ، جائرا عن القصد ، أقول الباطل ضلالا ، وأفوه بالبهتان وبالا ، وهذا مقام العائذ ، مبصر الهدى ، ورافض العماية ، فاغسل عنى يا أمير المؤمنين الحوبة « 3 » بالتّوبة ، واصفح عن الزّلة ، واعف عن الجرمة « 4 » » ، ثم قال :
كم قال قائلكم لعا * لك ، عند عثرته لعاثر « 5 »
وغفرتم لذوي الذنو * ب من الأكابر والأصاغر
هامش
- هو ؟ قلن : في العراق ثم في الكوفة . فكتب إلى خالد عامله بالعراق : ابعث إلى برأس الكميت ، فبعث إليه خالد في الليل ، فأخذه وأودعه السجن ، وعزم لينفذن أمر الخليفة فيه ، وأعمل الكميت الحيلة في الفرار ، فبعث إلى زوجه حبى ( بضم ففتح الباء المشددة ) فلما دخلت عليه لبس ثيابها ، وتنقب نقابها ؛ وأقامها مكانه ، وخرج متنكرا ، وظل متواريا مدة ، حتى إذا أيقن أن الطلب قد خف عنه ، خرج ليلا في جماعة من بنى أسد ، وما زال يسير حتى بلغ الشأم ؛ واستجار بمسلمة بن عبد الملك ، فأجاره واحتال له في عفو الخليفة عنه ، فقال له : إن معاوية بن هشام مات قريبا ؛ وقد جزع عليه جزعا شديدا ، فإذا كان الليل فاضرب رواقك على قبره ، وأنا أبعث إليك بنيه يكونون معك في الرواق ، فإذا دعا بك تقدمت إليهم أن يربطوا ثيابهم بثيابك ، ويقولوا : هذا استجار بقبر أبينا ، ونحن أحق من أجاره ؛ فأصبح هشام على عادته متطلعا من قصره إلى القبر ، فقال : من هذا ؟ فقالوا : لعله مستجير بالقبر ؛ فقال : يجاز من كان إلا الكميت فإنه لا جوار له ، فقيل : فإنه الكميت ، قال : يحضر أعنف إحضار ، فلما دعى به ربط الصبيان ثيابهم بثيابه ، فلما نظر هشام إليهم اغرورقت عيناه واستعبر ، وهم يقولون : يا أمير المؤمنين استجار بقبر أبينا ، وقد مات ومات حظه من الدنيا ، فاجعله هبة له ولنا ؛ ولا تفضحنا فيمن استجار به ، فبكى هشام حتى انتحب ؛ ثم أقبل على الكميت ؛ فقال له : يا كميت : أنت القائل كذا وكذا - مما أورده في هاشمياته ؟ - فقال : لا واللّه ؛ ولا أتان من أتن الحجاز وحشية ؛ ثم خطب بين يديه يستعطفه ، فعفا عنه وأجازه ، وتوفى الكميت سنة 126 ه . ( 1 ) دهدى الحجر فتدهدى : دحرجه ، كدهدهه ، والغمرة : الانهماك في الباطل ، والشدة . ( 2 ) الوهل : الضعف والفزع . ( 3 ) الحوبة : الإثم . ( 4 ) الجرمة ككلمة : الجريمة . ( 5 ) يقال للعاثر : لعا لك ، وهو دعاء له بأن ينتعش .