إقدام المقارع ، وكن بين الآيس والطّامع . فخرج معبد حتّى اعترض الصّحراء فابتدره الفرسان حتى أتوا به الملك ، فقال له : من أين أقبلت أيّها الرّاكب ؟
قال : من بلد سماؤه غبراء ، وأرضه قشراء « 1 » ، وتربه مور « 2 » ، وماؤه غور ، وأهله يتكنّفون بالغثاث « 3 » ، ويتقرمصون في البراث « 4 » ، فالطّفل مرموع « 5 » ، واليافع مقصوع « 6 » ، فلا مسكة لفقير ، ولا صمتة لصغير « 7 » ، ولا حراك سكبير ، فقال الملك : وأبيك إنّك لتصف جهدا فأين بلدك ؟ قال : بلد ألقى الشّقاء على أهله جشمه « 8 » ، وأثار البلاء فيهم قتمه « 9 » ، فقال الملك :
لقد وصفت شرّا شمرّا « 10 » ، وبلاء مصرّا فمن أولئك ؟ قال : قوم كفروا النّعمة ، وانتهكوا الحرمة ، واستوجبوا النّقمة ، قال الملك : أجل ، فأيّهم أنت ؟ قال : بسطة الملك قاهرة ، ويده ظاهرة ، وعقابه يخشى ، وعفوه
هامش
( 1 ) أرض قشراء : منقشرة .
( 2 ) أي لا غناء فيه .
( 3 ) تكنف القوم بالغثاث : وذلك أن تموت غنمهم هزالا فيحظروا بالتي ماتت حول الأحياء التي بقين فتسترها من الرياح .
( 4 ) القرموص والقرماص : حفرة يحتفرها الرجل يكتن فيها من البرد ، والجمع القراميص ، وقرمص وتقرمص : دخل فيها . والبراث : جمع برث يفتح الباء ، وهي الأرض السهلة اللينة .
( 5 ) الرماع بضم الراء المشددة : داء في البطن يصفر منه الوجه ، وطفل مرموع :
أصابه ذلك .
( 6 ) غلام مقصوع وقصيع : قميئ لا يشب ولا يزداد .
( 7 ) صمتة الصبى : ما أسكت به ، ويقال : فلان ما له صمتة لعياله ، أي ما يطعمهم فيصمتهم به .
( 8 ) جشمه : ثقله .
( 9 ) القتم والقتام : الغبار .
( 10 ) شر شمر بكسر الشين والراء المشددة : شديد يشمر فيه عن الساعدين .