شرح
لأنه يتقى به اللّه وإلا كان كسائر الأشياء ، فإذا طلب بشئ من هذا عرض الدنيا الفاني فهو أيضا نوعان . أحدهما أن يطلب به المال ، فهذا من نوع الحرص على المال وطلبه بالأسباب المحرمة . وفي هذا الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ( من تعلم علما مما يبتغى به وجه اللّه لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) يعنى ريحها خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وسبب هذا واللّه أعلم أن في الدنيا جنة معجلة ، وهي معرفة اللّه ومحبته والأنس به والشوق إلى لقائه وخشيته وطاعته ، والعلم النافع يدل على ذلك ، فمن دله علمه على دخول هذه الجنة المعجلة في الدنيا دخل الجنة في الآخرة ، ومن لم يشم رائحتها لم يشم رائحة الجنة في الآخرة .
ولهذا كان أشد الناس عذابا في الآخرة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه ، وهو أشد الناس حسرة يوم القيامة حيث كان معه آلة يتوصل بها إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات فلم يستعملها إلا في التوصل إلى أخس الأمور وأدناها وأحقرها ، فهو كمن كان معه جواهر نفيسة لها قيمة فباعها ببعرة أو شيء مستقذر لا ينتفع به فهذا حال من يطلب الدنيا بعلمه . وأقبح من ذلك من يطلبها بإظهار الزهد فيها فإن ذلك خداع قبيح جدا . وكان أبو سليمان الدارانى يعيب على من لبس عباءة وفي قلبه شهوة من شهوات الدنيا تساوى أكثر من قيمة العباءة ، يشير إلى أن إظهار الزهد في الدنيا باللباس الديني إنما يصلح لمن فرغ قلبه من التعلق بها بحيث لا يتعلق قلبه بها بأكثر من قيمة ما لبسه في الظاهر حتى يستوى ظاهره وباطنه في الفراغ من الدنيا . وما أحسن قول بعض العارفين وقد سئل عن الصوفي فقال الصوفي من لبس الصوف على الصفا ، وسلك طريق المصطفى ، وأذاق الهوى بعد الجفا ، وكانت الدنيا منه خلف القفا .
( النوع الثاني ) من يطلب بالعلم والعمل والزهد الرئاسة على الخلق والتعاظم