شرح
تلجئ إليه الضرورة ، قيل له فأيما أفضل الكلام أم السكوت ؟ قال الإمساك أحب إلىّ . قيل له فإذا كانت الضرورة فجعل يقول الضرورة الضرورة وقال الإمساك أسلم له وليعلم المفتى أنه يوقع عن اللّه أمره ونهيه ، وأنه موقوف ومسؤول عن ذلك .
قال الربيع بن خيثم : أيها المفتونون أنظروا كيف تفتون . وقال عمرو بن دينار لقتادة لما جلس للفتيا : هذا يصلح وهذا لا يصلح . وعن ابن المنكدر قال :
إن العالم بين اللّه وبين خلقه فلينظر كيف يدخل عليهم . وكان ابن سيرين إذا سئل عن الشئ من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان .
وكان النخعي يسأل فتظهر عليه الكراهة ويقول ما وجدت أحدا تسأله غيرى ؟
وقال : قد تكلمت ولو وجدت بدا ما تكلمت ، وإن زمانا أكون فيه فقيه أهل الكوفة لزمان سوء .
وروى عن عمر رضى اللّه عنه أنه قال إنكم لتستفتوننا استفتاء نود كأنا لا نسأل عما نفتيكم به . وعن محمد بن واسع قال : أول من يدعى إلى الحساب الفقهاء . وعن مالك رضى اللّه عنه أنه كان إذا سئل عن المسألة كأنه واقف بين الجنة والنار . وقال بعض العلماء لبعض المفتين : إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص السائل ولكن تخليص نفسك أولا . وقال لآخر : إذا سئلت عن مسألة فتفكر ، فإن وجدت لنفسك مخرجا فتكلم وإلا فاسكت .
وكلام السلف في هذا المعنى كثير جدا يطول ذكره واستقصاؤه .
ومن هذا الباب أيضا كراهة الدخول على الملوك والدنو منهم ، وهو الباب الذي يدخل منه علماء الدنيا إلى نيل الشرف والرئاسات فيها وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن عباس رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ( من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن ) وخرج أحمد وأبو داود نحوه من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم . وفي حديثه ( وما ازداد