تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
شرح
لا يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة ، بل إلى تعظيم اللّه وحده وإفراده بالعبودية والإلهية ، ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى اللّه وحده . وكان بعض الصالحين يتولى القضاء ويقول أنا أتولاه لأستعين به على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . ولهذا كانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوة إلى اللّه ويتحملون في أوامر اللّه من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك ، فإن المحب ربما يتلذذ بما يصيبه من الأذى في رضى محبوبه ، كما كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه يقول لأبيه في خلافته : إذا حرص على تنفيذ الحق وإقامة العدل يا أبت لوددت أنى غلت بي وبك القدور في اللّه عز وجل . وقال بعض الصالحين : وددت أن جسمي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق كلهم أطاعوا اللّه عز وجل ، فعرض قوله على بعض المتقدمين فقال : ان كان أراد بذلك النصيحة للخلق وإلا فلا أدرى ثم غشى عليه . ومعنى هذا أن صاحب هذا القول قد يكون لحظ نصح الخلق والشفقة عليهم من عذاب اللّه وأحب أن يفديهم من عذاب اللّه بأذى نفسه ، وقد يكون لحظ جلال اللّه وعظمته وما يستحقه من الإجلال والإكرام والطاعة والمحبة ، فود أن الخلق قاموا بذلك وإن حصل له في نفسه غاية الضرر ، وهذا هو مشهد خواص المحبين العارفين بملاحظته ، فغشى على هذا الرجل العارف . وقد وصف اللّه تعالى في كتابه أن المحبين له يجاهدون في سبيله ولا يخافون لومة لائم . وفي ذلك يقول بعضهم :أجد الملامة في هواك لذيذة * حبا لذكرك فليلمنى اللوم( القسم الثاني ) طلب الشرف والعلو على الناس بالأمور الدينية كالعلم والعمل والزهد ، فهذا أفحش من الأول ، وأقبح وأشد فسادا وخطرا ، فإن العلم والعمل والزهد إنما يطلب به من عند اللّه من الدرجات العلى والنعيم المقيم ويطلب بها ما عند اللّه والقرب منه والزلفى لديه . قال الثوري : إنما فضل العلم
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر ) — صفحة 212 | يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )