تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر ) — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
شرح
فصارت لهم عليه منة عظيمة ، ووجب عليه شكرهم ، فآلم نفسه لئلا يغضبهم عليه فيعزلوه عن القضاء ، ولم يلتفت إلى غضب مولاه فاقتطع أموال اليتامى والأرامل والفقراء والمساكين ، وأموال الوقف والمجاهدين وأهل الشرف بالحرمين ، وأموالا يعود نفعها على جميع المسلمين ، فأرضى بها الكاتب والحاجب والخادم ، فأكل الحرام وأطعم الحرام ، وكثر الداعي عليه . فالويل لمن أورثه علمه هذه الأخلاق . وهذا العلم هو الذي استعاذ النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأمر أن يستعاذ منه ، وهذا العالم الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه اللّه بعلمه ) وكان يقول ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن نفس لا تشبع ومن دعاء لا يسمع ) وكان عليه السلام يقول ( اللهم إني أسألك علما نافعا ، وأعوذ بك من علم لا ينفع ) . هذا كله كلام الإمام أبى بكر الآجري رحمه اللّه تعالى ، وكان في أواخر الثلاثمائة ، ولم يزل الفساد متزايدا على ما ذكرناه أضعافا مضاعفة ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه . ومن دقيق آفات حب الشرف طلب الولايات والحرص عليها ، وهو باب غامض لا يعرفه إلا العلماء باللّه العارفون به المحبون له ، الذين يعادون له من جهال خلقه ، المزاحمين لربوبيته وإلهيته مع حقارتهم وسقط منزلتهم عند اللّه وعند خواص عباده العارفين به ، كما قال الحسن رحمه اللّه فيهم إنهم وإن طقطقت بهم البغال ، وهملجت بهم البراذين . فإن ذل المعصية في رقابهم ، أبى اللّه إلا أن يذل من عصاه . وحبّ الشرف بالحرص على نفوذ الأمر والنهى وتدبير أمر الناس إذا قصد بذلك مجرد علو المنزلة على الخلق والتعاظم عليهم وإظهار صاحب هذا الشرف حاجة الناس وافتقارهم إليه وذلهم في طلب حوائجهم منه ، فهذا نفسه مزاحمة لربوبية اللّه وإلهيته ، وربما تسبب بعض