شرح
أن الشح يأمر بالقطيعة والفجور وبالبخل ، والبخل هو إمساك ما في يده ، والشح تناول ما ليس له ظلما وعدوانا من مال غيره ، حتى قيل إنه رأس المعاصي كلها ، وبهذا فسر ابن مسعود رضى اللّه عنه وغيره من السلف الشح والبخل .
ومن هاهنا يعلم معنى حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال ( لا يجتمع الشح والإيمان في مؤمن ) والحديث الآخر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال ( أفضل الإيمان الصبر والسماحة ) وفسر الصبر بالصبر عن المحارم ، والسماحة بأداء الواجبات . وقد يستعمل الشح بمعنى البخل وبالعكس ، ولكن الأصل هو التفريق بينهما على ما ذكرناه ، ومتى وصل الحرص على المال ، إلى هذه الدرجة نقص بذلك الدين والإيمان بلا ريب حتى لا يبقى منه إلا القليل .
وأما حرص المرء على الشرف فهذا أشد هلاكا من الحرص على المال ، فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها والرئاسة على الناس والعلو في الأرض أضر على العبد من طلب المال وضرره أعظم والزهد فيه أصعب ، فإن المال يبذل في طلب الرئاسة والشرف .
والحرص على الشرف على قسمين : أحدهما طلب الشرف بالولاية والسلطان والمال ، وهذا خطر جدا ، وهو في الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزها . قال اللّه تعالىتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَوقل من يحرص على رئاسة الدنيا بطلب الولايات فيوفق بل يوكل إلى نفسه كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعبد الرحمن ابن سمرة رضى اللّه عنه ( يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها ) قال بعض السلف ما حرص أحد على ولاية فعدل فيها . وكان يزيد بن عبد اللّه بن موهب من قضاة العدل والصالحين وكان يقول : من أحب المال والشرف وخاف الدوائر لم يعدل فيها .