تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
شرح
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ( إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة ) وفيه أيضا عن أبي موسى الأشعري رضى اللّه عنه أن رجلين قالا للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يا رسول اللّه أمّرنا قال ( إنا لا نؤتى أمرنا هذا من سأله ولا من حرص عليه ) . واعلم أن الحرص على الشرف يستلزم حرصا عظيما قبل وقوعه في السعي في أسبابه وبعد وقوعه بالحرص العظيم الذي يقع فيه صاحب الولاية من الظلم والتكبر وغير ذلك من المفاسد . وقد صنف أبو بكر الآجري وكان من العلماء الربانيين في أوائل المائة الرابعة تصنيفا في أخلاق العلماء وآدابهم ، وهو من أجل ما صنف في ذلك ، ومن تأمله علم منه طريقة السلف من العلماء ، والطرائق التي حدثت بعدهم المخالفة لطريقتهم ، فوصف فيه عالم السوء بأوصاف طويلة ، منها أنه قال قد فتنه حب الثناء والشرف والمنزلة عند أهل الدنيا ، يتجمل بالعلم كما يتجمل بالحلة الحصناء للدنيا ، ولا يجمل علمه بالعمل به ، وذكر كلاما طويلا إلى أن قال : فهذه الأخلاق وما يشبهها تغلب على قلب من لم يتضمخ بالعلم ، فبينا هو مقارب لهذه الأخلاق إذ ذهبت نفسه في حب الشرف والمنزلة فأحب مجالسة الملوك وأبناء الدنيا ، وأحب أن يشاركهم فيما هم فيه من منظر بهى ، ومركب هنى ، وخادم سرى ، ولباس لين ، وفراش ناعم ، وطعام شهى ، وأحب أن يعتنى به وأن يسمع قوله ، ويطاع أمره ، فلم يقدر عليه إلا من جهة القضاء فطلبه ، فلم يمكنه إلا ببذل دينه ، فتذلل للملوك وأتباعهم ، فخدمهم بنفسه ، وأكرمهم بماله ، وسكت عن قبيح ما ظهر له من الدخول في إيواناتهم وفي منازلهم من أفعالهم ، ثم قد زين لهم كثيرا من قبيح فعلهم بتأوله الخطأ ليحسن موقفه عندهم فلما فعل هذا مدة طويلة ، واستحكم فيه الفساد ولّوه القضاء ، فذبح بغير سكين ،