شرح
لغيره ويرتحل عنه ويبقى حسابه عليه ونفعه لغيره فيجمع لمن لا يحمده ويقدم على من لا يعذره لكفاه بذلك ذما للحرص ، فالحريص يضيع زمانه الشريف ويخاطر بنفسه التي لا قيمة لها في الأسفار وركوب الأخطار لجمع مال ينتفع به غيره كما قيل :ولا تحسبن الفقر من فقد الغنى * ولكن فقد الدين من أعظم الفقرقيل لبعض الحكماء إن فلانا جمع مالا ، قال فهل جمع أياما ينفقه فيها ؟ قيل : لا قال : ما جمع شيئا . وفي بعض الآثار الإسرائيلية : الرزق مقسوم ، والحريص محروم . ابن آدم إذا أفنيت عمرك في طلب الدنيا فمتى تطلب الآخرة .إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزا * فما أنت في يوم القيامة صانعقال ابن مسعود رضى اللّه عنه : اليقين أن لا ترضى الناس بسخط اللّه ، ولا تحمد أحدا على رزق اللّه ، ولا تلوم أحدا على ما لم يؤتك اللّه ، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره ، فإن اللّه بقسطه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط . وقال بعض السلف : إذا كان القدر حقا فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بكل أحد عجز ، وإذا كان الموت لكل أحد راصدا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق .
كان عبد الواحد بن زيد يحلف باللّه لحرص المرء على الدنيا أخوف عندي من أعدى أعدائه . وكان يقول : يا إخوتاه لا تغبطوا حريصا على ثروته وسعته في مكسب ولا مال ، وانظروا له بعين المقت له في اشتغاله اليوم بما يرديه غدا في المعاد ثم يتكبر . وكان يقول : الحرص حرصان : حرص فاجع وحرص نافع ، فأما النافع فحرص المرء على طاعة اللّه ، وأما الحرص الفاجع فحرص المرء على الدنيا وهو مشغول معذب لا يسر ولا يلذ بجمعه لشغله ، فلا يفرغ من محبة الدنيا لآخرته كذلك وغفلته عما يدوم ويبقى ولبعضهم في هذا المعنى :لا تغبطن أخا حرص على سعة * وانظر إليه بعين الماقت القالىإن الحريص لمشغول بثروته * عن السرور لما يحوى من المال