تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر ) — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
شرح
ابن عدي الأنصاري رضى اللّه عنهم أجمعين ، وقد ذكرتها كلها والكلام عليها في كتاب شرح الترمذي وفي لفظ حديث جابر رضى اللّه عنه ( ما ذئبان ضاريان يأتيان في غنم غاب رعاؤها بأفسد للناس من حب الشرف والمال لدين المؤمن ) وفي حديث ابن عباس رضى اللّه عنه ( حب المال والشرف ) بدل الحرص ، فهذا مثل عظيم جدا ضربه النبي صلى اللّه عليه وسلم لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا ، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين يأتيان في الغنم وقد غاب عنها رعاؤها ليلا ، فهما واكلان في الغنم ويفترسان فيها . ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل . فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم ، بل إما أن يكون مساويا وإما أكثر . يشير أنه لا يسلم من دين المسلم مع حرصه على المال والشرف في الدنيا إلا القليل ، كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفساد الذئبين المذكورين فيها إلا القليل . فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا ، فأما الحرص على المال فهو على نوعين أحدهما شدة محبة المال مع شدة طلبه من وجوهه المباحة والمبالغة في طلبه والجد في تحصيله واكتسابه من وجوهه مع الجهد والمشقة ، وقد ورد أن سبب الحديث كان وقوع بعض أفراد هذا كما أخرجه الطبراني من حديث عاصم بن عدي رضى اللّه عنه قال : ( اشتريت مائة سهم من سهام خيبر ، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال ما ذئبان ضاريان في غنم أضاعها ربها بأفسد من طلب المسلم المال والشرف لدينه ) ولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف الذي لا قيمة له ، وقد كان يمكن صاحبه اكتساب الدرجات العلى والنعيم المقيم فضيعه بالحرص في طلب رزق مضمون مقسوم لا يأتي منه إلا ما قدر وقسم ثم لا ينتفع به بل يتركه