على ما كان بينهما من الاختلاف في العقيدة ، ثم رحل إلى اليمن ، وعاد إلى مصر ، وأقام بها إلى أن زالت دولة الفاطميين على يد السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب ، ورثى أهل العصر بقصيدته التي أوّلها :
رميت يا دهر كفّ المجد بالشّلل * ورعته بعد حسن الحلي بالعطل « 1 »
ومنها :
قدمت مصر فأولتني خلائفها * من المكارم ما أربى على الأمل
قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن * تمامها أنها جاءت ولم أسل
يا لائمي في هوى أبناء فاطمة * لك الملامة إن قصّرت في عذلي
باللّه زر ساحة القصرين وابك معي * عليهما لا على صفّين والجمل
ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة * بنسل آل أمير المؤمنين علي
وهي طويلة غاية في الحسن . فلمّا بلغت السّلطان صلاح الدين تغيّر عليه .
وقيل : إنه استفتى عليه في قوله من قصيدته الميميّة :
وكان مبدأ هذا الأمر من رجل * سعى فأصبح يدعى سيّد الأمم
فأفتى الفقهاء بقتله ، وقالوا : إنّ هذا الكلام رأي الفلاسفة في النّبوّات وأنها بالتكسّب ، وهي إحدى المسائل التي كفّروا بها ، والصّحيح أنه يجتبي « 2 » من رسله من يشاء ، ولم يكن أحد من الأنبياء عنده شعور بأنّه يكون فيما بعد نبيّا .
والذي يظهر أنّ هذا مفتعل على الفقيه عمارة ، نظمه بعض أعدائه على لسانه ، ودسّه في تلك القصيدة ، وما يبعد أنّ القاضي الفاضل - رحمه اللّه - كان له ميل إلى هلاكه ؛ لأنّه لما استشاره السّلطان صلاح الدين في ضربه قال : الكلب يسكت ثم ينبح . قال : فيسجن ، قال : يرجى له الخلاص ، قال : فيقتل . قال : [ كذا ] « 3 » . الملوك إذا أرادوا شيئا فعلوه . ونهض فأمر بصلبه مع الغرماء « 4 » . فلمّا أمسكوه ، مرّوا به على باب الفاضل ، فلمّا رآه مقبلا ، قام ودخل إلى بيته وأغلق الباب ، فقال الفقيه عمارة :
عبد الرّحيم قد احتجب * إنّ الخلاص من العجب « 5 »
هامش
( 1 ) ذكرها ابن خلكان في 1 / 276 ومطلعها .الحمد للعيس بعد العزم والهمم * حمدا يقوم بما أولت من النّعم( 2 ) يجتبي : يختار .
( 3 ) من ط .
( 4 ) ذكر ابن خلكان في ترجمة عمارة أنه اتفق مع جماعة من رؤساء البلد على التعصب للمصريين وإعادة دولتهم . فلمّا أحسّ بهم صلاح الدين شنقهم في رمضان سنة 569 ه .
( 5 ) ديوانه : الورقة 36 .