فأجابه الفاضل بقوله : ولا حجة فيما احتجّه بابن المعتز عن الكنس في بيته ، فإنّه غير معصوم من الغلط ، ولا يقلّد إلّا في الصواب فقط .
وقد علم مما ذكره ابن رشيق في « العمدة » من تهافت طبعه ، وتباين صنعه ومخالفة وضعه ، فذكر من محاسنه ما [ لا ] « 1 » يعلق معه كتاب ، ومن بارده « 2 » وغثّه ما لا تلبس عليه الثّياب ، وقد تعصّب القاضي السعيد على أبي تمام ، فنقصه حظّه .
و [ أمّا ] « 3 » البحتري فأعطاه أكثر من حقّه .
ولو كان هذا موضع العتب لاشتفى * فؤادي ولكن للعتاب مواضع
قال الشّيخ صلاح الدين الصفدي : لمّا وقفت على هذا الفصل ، رأيت ابن سناء الملك استعمل هذه اللّفظة في غير هذا الموضع ، ولم يتّعظ بنهي الفاضل ولا ارعوى « 4 » ، ولا ازدجر عما قبّحه بل غلب عليه الهوى ، فقال :
وخلّصني من يدي عشقه * ظلام على خدّه حندسه « 5 »
كنست فؤادي من حبّه * لحيته كانت المكنسه
قلت : ما برح الشيخ صلاح الدين - غفر اللّه له - يزوّق تقليدا كقوله عن ابن سناء الملك لمّا استعمل في هذه الصيغة المشتملة على الهجو بشاعة المكنسة : « ولم يتّعظ بنهي الفاضل ولا ارعوى ، ولا ازدجر عما قبّحه بل غلب عليه الهوى » .
أما نقد الفاضل على ابن سناء الملك بوضع المكنسة على وجنة معشوقته التي ليس للعذار بوجنتها شعور ، فنقد صحيح .
وأما وضع مكنسة اللّحية على وجنة من طلعت لحيته فكان جائرا على عاشقه ، وسبكها هنا في قالب الهجو ، فهو نوع من المرقص والمطرب ، ولو وقف الفاضل على هذه المكنسة هنا لأعدّها لأبياته « 6 » . انتهى .
* * *
مجد الدين بن دقيق العيد وأحد تلاميذه
ومن لطائف المنقول ما حكي عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد ، والد قاضي
هامش
( 1 ) من ج ، ط .
( 2 ) في ط : « نادرة وغثّه » تصحيف ، والصواب ما في باقي الأصول .
( 3 ) من ط .
( 4 ) ارعوى عن القبيح : كفّ عنه .
( 5 ) الحندس : شدة الظلام ، ويقصد هنا « الحال » .
( 6 ) كذا في ط ، وفي باقي الأصول : « لأعدها من أبياته » .