من طرائف التصحيف
وحكى صاحب الرّيحان والريعان « 1 » قال : حضر شاب ذكيّ بعض مجالس الأدب ، فقال بعضهم : ما تصحيف « نصحت فخنتني » ؟ قال : « تصحيف حسن » ، فاستغرب إسراعه . وكان بالمجلس شاعر من أهل بلنسية ، فاتّهم الشاب ، وقال مختبرا له :
ما تصحيف « بلنسية » ؟ فأطرق ساعة ثم قال : « أربعة أشهر » ، فجعل البلنسيّ يقول : صدق ظني ! إنك تدّعي ، وتنتحل ما تقول : والفتى يضحك ، ثم قال له :
أشعرت يا شاعر ؟ فقال له : وأيّ نسبة بين « أربعة أشهر » وبين « بلنسية » ، فقال له : إن لم يكن في اللّفظ فهو في المعنى . ثم قام وهو يقول ذلك . فتنبّه بعض الحاضرين ونظر ، فإذا أربعة أشهر « ثلث سنة » ، وهو تصحيف « بلنسية » فخجل الشاعر المنازع ، ومضى إلى الشاب معترفا ومعتذرا .
وهذا المعنى في بلنسية نظمه الشيخ بدر الدين الدماميني أحجية فقال :
أيا واحد العصر ، ما بلدة * محاسنها في الورى تذكر ،
حجا ما يرادف تصحيفها * وحقّك أربعة أشهر ؟
* * *
عمارة اليمنّي
ومن « 2 » غريب ما نقل عن الفقيه عمارة اليمنّي « 3 » الشاعر أنه مرّ بمصلوب ، فقال :
ومدّ على صليب الصّلب منه * يمينا لا تطول إلى الشّمال
ونكّس رأسه لعتاب قلب * دعاه إلى الغواية والضّلال
فلم يمض ثلاثة أيام حتى صلب بين القصرين مع الجماعة الغرماء .
وكان الفقيه نجم الدّين عمارة أديبا ، ماهرا ، فقيها ، شافعيّ المذهب ، من أهل السّنّة ، قدم في دولة الفاطميّين إلى طلائع الدّيار المصرية ، وصاحبها يومئذ الفائز بن الظّافر ووزيره الصالح بن رزّيك . فكان عنده في أكرم محلّ ، وأعزّ جانب ، واتحد به
هامش
( 1 ) كتاب ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب ، ذكره صاحب كشف الظنون وقال .
كتاب حسن في الأدب ، في مجلدين ، لأبي القاسم محمد بن إبراهيم بن خيرة الإشبيلي من أعيان إشبيلية ، وكاتب صاحبها السيد أبو حفص .
( 2 ) ط . « من الغريب » .
( 3 ) هو نجم الدين عمارة بن علي بن زيدان ، مؤرخ شاعر فقيه من أهل اليمن ، قدم إلى مصر فأحسن الفاطميون إليه وأكرموه ، ومدحهم ، ولم يزل مواليا لهم حتى دالت دولتهم وملك السلطان صلاح الدين مصر ، فرثاهم ، فتغير عليه ، وأمر بصلبه في سبعة من أعيان المصريين سنة 569 ه . ابن خلكان 1 / 376 .