الكرك « 1 » المشار إليه - ما برح مع كمال فضله منكّدا ، مشتّتا في البلاد ، توجّه إلى بغداد ومعه فخر القضاة ابن بصاقه ، والشيخ شمس الدين الخرشاهيّ ، وقد اصطحب جواهر نفيسة ، والتجأ إلى الإمام الناصر ، وطلب الحضور بين يديه ليشاهده في الملأ مما قدّر له ذلك ، ولا وافق الخليفة عليه ، حتى امتدحه بقصيدته البائية التي مطلعها :
ودان ألمّت بالكثيب ذوائبه * وجنح الدّجى وحف تجول غياهبه « 2 »
تقهقه في تلك الرّبوع رعوده * وتبكي على تلك الطّلول سحائبه
وقال منها في حكاية حاله مع الخليفة :
أيحسن في شرع المعالي ودينها * أنت الّذي تعزى إليه مذاهبه
بأنّي أخوض الدّوّ والدّوّ مقفر * سباريته مقفرّة وسباسبه « 3 »
ويأتيك غيري من بلاد قريبة * له الأمن فيها صاحب لا يجانبه
فيلقى دنوّا منك لم ألق مثله * ويحظى ، ولا أحظى بما أنا طالبه
وينظر في لألاء قدسك نظرة * فيرجع والنّور الإماميّ صاحبه
ولو كان يعلوني بنفس ورتبة * وصدق ولاء لست فيه أصاقبه « 4 »
لكنت أسلّي النّفس ممّا ترومه * وكنت أذود العين عمّا تراقبه
ولكنّه مثلي ، ولو قلت إنني * أزيد عليه لم يعب ذاك عائبه
والنّاصر يشير إلى مظفّر الدين كوكبوري بن كوجك ، فإنّه قدم إلى الديوان ، فطلب الحضور فأذن له ، وبرز له الخليفة وشاهد وجهه - .
ولمّا وقف الخليفة على هذه القصيدة ، أعجبته غاية الإعجاب ، وهي من النّظم البديع في غاية لا تدرك ، فاستدعاه بعد شطر من اللّيل ، واجتمع به خلوة ، وما تمّ له ما ظفر به مظفّر الدين المذكور .
وسبب ذلك أنّ الخليفة راعى عمّه المذكور . والذي ثبت عند أهل التاريخ أنّ عمه العادل ما فعل ذلك إلّا حسدا له على كمال أدواته ، وبلاغة آدابه . وقيل : إنه كتب خطّا منسوبا أزرى بالحدائق المدبّجة .
* * *
هامش
( 1 ) الكرك : حصن بفلسطين .
( 2 ) وحف : شديد السواد . والغياهب : الظلمة الشديدة .
( 3 ) الدو والدوية : الفلاة . والسباريت : جمع سبروت ، وهو الأرض القفر .
( 4 ) أصاقبه : أدانيه ، وفي ب : « أناسبه » .