نكتة أدبية
قال ابن سناء الملك « 1 » من أبيات :
صليني وهذا الحسن باق فربّما * يعزّل بيت الحسن منه ويكنس
فوقف القاضي الفاضل - رحمه اللّه - على هذه القصيدة ، وكتب إلى ابن سناء الملك من جملة فصل :
وما قلت هذه الغاية ، إلّا وتعلمني أنها البداية ، ولا قلت هذا البيت آية القصيدة إلّا وتلا ما بعده :
( وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ )
[ الزخرف : 48 ] ؛
( أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ )
[ الطور : 15 ] . ولا عيب في هذه المحاسن إلا قصور الأفهام ، وتقصير الأنام ، وإلّا فقد لهج النّاس بما تحتها ، ودوّنوا ما دونها . والقصيدة فائقة في حسنها ، بديعة في فنها ، ولكن « بيت يعزّل ويكنس » ، أردت ان أكنسه من القصيدة « فإن لفظة ، الكنس » غير لائقة بمكانها .
فأجاب ابن سناء الملك قائلا : قد علم المملوك ما نبه عليه مولانا من أمر البيت الذي أراد أن يكنسه من القصيدة ، وقد كان المملوك مشغوفا بهذا البيت ، مستحليا له ، متعجبا « 2 » منه ، معتقدا أنّ قافية بيته أميرة ذلك الشعر ، وسيّدة قوافيه ، وما أوقعه في الكنس إلا ابن المعتزّ حيث يقول :
وقوامي مثل القناة من الخطّ * وخدّي من لحيتي مكنوس
والمولى يعلم أنّ المملوك لم يزل يجري خلف هذا الرّجل ويتعثّر ، ويطلب مطالبه فتتعصّر عليه وتتعذّر ، وما مال المملوك إلّا إلى طريق من ميله إليه طبعه ؛ ولا سار إلّا من دلّه عليه سمعه ، ورأى المملوك أبا عبادة قد قال :
ويا عاذلي في عبرة قد سفحتها * لبين وأخرى قبلها للتّحجّب « 3 »
هامش
( 1 ) هو هبة اللّه بن سناء الملك ، شاعر من النبلاء ، مصري المولد ، كان وافر الفضل ، جيد الشعر ، بديع الإنشاء ، كتب في ديوان الإنشاء بمصر مدة .
( 2 ) في ط : « معجبا به » .
( 3 ) أبو عبادة البحتري ، ديوانه : 1 / 49 .