في مجلس أمير
ومن ذلك ما حكي أن بعض المطربين غنى في جماعة عند بعض الأمراء « 1 » :
إذا أنت أعطيت السّعادة لم تبل * ولا نظرت شزرا إليك القبائل « 2 »
وإن فوّق الأعداء نحوك أسهما * ثنتها على أعقابهنّ المناصل « 3 »
فطرب الأمير إلى الغاية . ولمّا زاد طربه قال لبعض مماليكه : هات خلعة لهذا المغنّي - ولم يفهم المغنّي ما يقوله الأمير - فقام لقلّة حظّه إلى بيت الخلاء ، وفي غيبته جاء المملوك بالخلعة ، فوجد المغنّي غائبا ، وقد حصل في المجلس عربدة ، وأمر الأمير بإخراج الجميع ، فقيل للمغنّي بعد ما خرج : إنّ الأمير كان قد أمر لك بخلعة .
فلمّا كان بعد أيّام ، حضر المغنّي عند ذلك الأمير وغنّى ، فقال :
إذا أنت أعطيت السّعادة لم « تبل » * ولو نظرت شزرا إليك القبائل
بفتح التاء وضم الباء ، فأنكروا عليه ذلك ، فقال : نعم ؛ لأنّي لمّا بلت في ذلك اليوم فاتتني السّعادة من الأمير .
فأوضحوا للأمير « 4 » القصة ، فضحك ، وأعجبه ذلك ، وأمر له بخلعة .
* * *
حرفة الأدب
ومن المنقول أن عبد اللّه بن المعتزّ ، من خلفاء بني العباس ، مع كماله وغزارة فضله كان لم يزل منغّصا في مدة حياته ، بويع له بالخلافة ، وظنّ أنّ الحظّ قد تنبّه له ، فلم يتمّ الأمر له إلّا يوما واحدا ، ثم قبض عليه وقتل رحمه اللّه تعالى ، على أنه ما وافق على ولاية الأمر حتى اشترط عليهم ألّا يسفكوا دما ، ومحلّه من الأدب لا يخفى ، وشمعة فضله كالصّبح لا تقطّ « 5 » ولا تطفى ، وفيه قيل هذا [ الشعر ] « 6 » :
للّه درّك من ملك بمضيعة * ناهيك في العلم والعلياء والحسب
ما فيه « لوّ » ولا « ليت » تنغّصه * وإنّما أدركته حرفة الأدب
هامش
( 1 ) بعدها في ج . « وقال هذين البيتين » .
( 2 ) لم تبل : لم تكترث . والنظر الشزر : ما كان بمؤخر العين .
( 3 ) المناصل : جمع منصل وهو السيف .
( 4 ) كذا في ب . وفي باقي الأصول « له » .
( 5 ) القط : القطع .
( 6 ) من 1 ، ج .