الوقت الذي يحاول فيه في كتابه الآخر « أنفع الوسائل » أن يؤوّل رأي أبي حنيفة بشأن الوقف . وهو لم يستطع النيل من الشافعية في هذه المسألة لوضوح موقفهم مع الأوقاف ، لكنّ ذلك لم يمنعه من الهجوم عليهم لولايتهم أمور أوقاف الجامع الأموي الضخمة ، التي يرى أنّ الأحناف هم الأصلح لتولّيها « 1 » . وقد صمدت الأوقاف لإجماع الفقهاء حولها من جهة ، واهتمام المجتمع بها من جهة ثانية ؛ ثم لأنّ « أرباب السيوف » أنفسهم لم يكونوا متفقين فيما بينهم بشأنها . فقد كان كثير منهم يوقفون لجهات البرّ ، كما كانوا يوقفون على ورثتهم خشية أن يتعرض لتركاتهم السلطان إذا توفّوا أو أبعدوا لسبب من الأسباب « 2 » .
* * * اضطرّ الطرسوسي في « مسائل الفقه العام » إذن للاعتراف بأنّ « المختار في المذهب » لا يتوافق ومصلحة السلطان أحيانا . لكنه ظلّ مصرّا على رأيه في أنّ المذهب الحنفيّ هو الأبقى للدولة والسلطان . وعندما حاول طرح مقترحات إصلاحية تفصيلية كشف عن اختلافات أخرى مع السلطة تتعدّى عدم إفراد المذهب الحنفي بالسيطرة . وهو في ذلك يتفق مع كتّاب الإصلاح في العصر المملوكي مثل ابن فضل اللّه العمري ( - 749 ه ) والسبكي ( - 772 ه ) والمقريزي ( - 845 ه ) فقد لاحظ هؤلاء جميعا أمائر تراجع وانحسار في السياسة والإدارة نجم عن استرخاء أجهزة السيطرة العسكرية بعد زوال التحديات الخارجية ، واتّجاه النخبة العسكرية للاستيلاء على الجهاز المدني بالدولة ( - أرباب الأقلام ) ، واستغلال المجتمع . رأى الطرسوسيّ أنّ علّة العلل في الأدواء التي أصابت الدولة بعد موت السلطان
هامش
( 1 ) تحفة الترك ق 29 ب ، 31 أ .
( 2 ) حياة ناصر الحجي : السلطان الناصر محمد بن قلاوون ونظام الوقف في عهده ( مكتبة الفلاح ، 1983 ) ص 50 - 51 .