تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
إنها تعرض مفهوما جديدا للشريعة في مواجهة السياسة : الشريعة التي بتطبيقها ( حسب الاجتهاد الحنفي ) تتحقق الدولة المزدهرة الإسلامية . فإذا كان الصراع المذهبيّ قبل الطرسوسي على الفهم الأصحّ للشريعة ؛ فإنّ مؤلّف « تحفة الترك » يقول : إنّ المذهب الحنفيّ هو الفهم الوحيد الصحيح للشريعة ، وهو المذهب الوحيد الذي يمكن أن تتأسّس عليه دولة إسلامية زاهرة . ولا شكّ أنّ هذا الفهم للمسألة يتنافى ورؤية المماليك لأنفسهم ودورهم في دار الإسلام إبّان تأسيس سلطتهم على الأقلّ . لكنّ ما فشل فيه الأحناف أيام المماليك ؛ نجحوا فيه فيما بعد أيام العثمانيين عندما صاروا مذهب الدولة الرسمي . يقول ابن إياس « 1 » : « وفي أواخر هذا الشهر ( جمادى الآخرة سنة 928 ه ) حضر ألاق من إسطنبول من البحر الملح إلى الإسكندرية ثم قدم إلى مصر ؛ وطلع إلى ملك الأمراء وعلى يده مرسوم من عند السلطان سليمان بن عثمان ؛ فكان من مضمونه أنّ الواصل إلى الديار المصرية قاضي العسكر الذي يسمّى سيدي جلبي ؛ وهو أعظم قضاة السلطان سليمان وأكبرهم ، وأنّ السلطان سليمان رسم بإبطال القضاة الأربعة الذين بمصر ؛ ويصير قاضي العسكر الواصل يتصرّف في الأحكام الشرعية عن المذاهب الأربعة ، وأنّ سائر النواب الذين بمصر والشهود تبطل قاطبة ؛ ويقتصر الأمر على أربعة نواب من كلّ مذهب نائب لا غير ، وكلّ نائب يقتصر على اثنين من الشهود لا غير . وأنّ النواب الأربعة يكونون في المدرسة الصالحية دائما . وأن لا يعقد عقدا ، ولا يوقف وقفا ولا تكتب وصية ، ولا عتق ، ولا تكتب إجارة ولا حجّة ولا غير ذلك من الأمور الشرعية حتى تعرض على قاضي العسكر . . . فلمّا وقف ملك الأمراء على
هامش
( 1 ) ابن إياس : بدائع الزهور في وقائع الدهور ، تحقيق محمد مصطفى ، القاهرة 1961 ، 5 / 453 - 454 .