الناصر ( - 741 ه ) اتّجاهها لاتّخاذ « السياسة » مقياسا بدلا من الشريعة « 1 » .
أي أنّ السلطة فقدت تدريجيا روح الدعوة والجهاد والحشد لتصغي لاعتبارات السياسة العملية . وحده القضاء العامل بالشريعة ، والمطبّق لها بقي بمنأى عن اعتبارات السياسة والمصلحة القريبة ، وبذلك بقي بمنأى عن الفساد العامّ . لذلك كان اقتراحه العامّ للإصلاح مدّ صلاحيات القضاء بحيث يسيطر على أجهزة الدولة ، بدلا من سيطرة العسكريين عليها .
والقضاء المقصود طبعا هو القضاء الحنفي . ثم مضى إلى شيء من التفصيل فتعرّض بالنقد لقضاء المظالم الذي كان القصد منه إيصال الحقّ إلى مستحقّه بأنفذ الطرق وأسرعها . لكنّ انصراف السلطان عنه ، ووضعه في يد الحاجب وكاتب السرّ ؛ جعل اعتبارات « السياسة » تسيطر عليه « 2 » . وحلّ الطرسوسيّ تضييق نطاقه بقدر الإمكان ، والعودة لإشراك قضاة القضاة في مجلسه ، وأن يتمّ ذلك في دار العدل ، وليس وراء الحجب وفي الدواوين حيث الصفقات والمساومات . أمّا الوزارة فقد انحطّ شأنها نتيجة لإضعاف مهامّها أو إلغائها كليا أيّام السلطان الناصر « 3 » . والطرسوسيّ يرى إعادة صلاحياتها إليها باعتبارها ممثلة للأهالي ، ولنخب المجتمع المدني ،
هامش
( 1 ) تحفة الترك ق 25 أ ، 27 ب . ويؤكّد المقريزيّ على مثل هذا التناقض بين الشريعة والسياسة ؛ انظر الخطط 2 / 207 . وما بعدها . وقارن :Nielsen , Secular Justice in an Islamic State , 1985 , 31 - 33 .وقارن بمقالة لي بعنوان : « قضاء المظالم وعلاقة الشريعة بالدولة في الإسلام الوسيط » ؛ بمجلة دراسات بالجامعة الأردنيّة ، عمان ، م 14 / 1987 / ص ص 26 - 51 .
( 2 ) تحفة الترك ق 23 ب - 24 أ .
( 3 ) تولّى بعض القضاة الوزارة لكن بعد أن فقدت أكثر صلاحياتها . وانظر عن منصب الوزارة في عصر المماليك ، وتراجعه منذ أيام الناصر ؛ المقريزي : الخطط 2 / 223 ، والقلقشندي : صبح الأعشى 4 / 28 - 29 ، والعمري : مسالك الأبصار ، نشرة دوروتيا كرافولسكي ، بيروت 1986 ، ص 55 - 59 ، 119 - 120 .