الاختلاف دون الخروج على القواعد الأصولية للمذهب . وهكذا ظهرت مصطلحات « ما عليه العمل في المذهب » ، و « المختار في المذهب » ، و « الراجح في المذهب » ، و « القول الظاهر في المذهب » . وقد صار هذا هو المقياس السائد داخل كلّ مذهب منذ القرن الخامس الهجريّ .
والمقياس هذا هو الذي يحتكم إليه الطرسوسي ، ويبدو أنّ خصومه من الشافعيّة يحتكمون داخل مذهبهم إلى المقياس نفسه . لذا فبوسع الطرسوسي أن يتجاهل رأي شيخ المذهب أبي حنيفة لأنّ « المختار في المذهب » على غيره . ويبدو أنّ « المختار في المذهب » أو « ما عليه العمل » كان يظهر عبر ممارسات القضاة الكبار ، وكبار المفتين والفقهاء في كلّ مدرسة « 1 » . لكنّ « المختار » هذا الذي أفاد منه الطرسوسي في الجدل في القضايا السياسية قيّد حركته في القضايا الأخرى التي سنتعرّض لها بالحديث .
إنّ المصادر التاريخية ، الفقهية لتلك الحقبة تشير إلى أنّ القضايا الرئيسة التي كانت تهمّ السلطة المملوكية ، والمجتمع في الوقت نفسه ؛ لم تكن سياسية بل كانت مالية الطابع . وقد اضطرّ الطرسوسي لاتّخاذ مواقف منها تلتزم بما عليه العمل في المذهب ، أو بالمختار فيه ؛ ومن هنا فإنّ طريقه هنا لم يكن بالسهولة التي كان عليها في آرائه السياسية . ويوضّح هذا ما سبق أن قلته من أنّ التناقض بين الأحناف والشافعية ليس مقياسه الموقف من الدولة ؛ بل مقياسه الممارسات السائدة في كلّ مذهب من شتى القضايا في
هامش
( 1 ) يتحدث الطرسوسي عن هذا « المقياس » بإيجاز في تحفة الترك ق 21 ب . وقارن عنه عند الأحناف المتأخرين معين الحكام للطرابلسي ، نشرة الحلبي بمصر ، بدون تاريخ ، ص 27 ، وموجبات الأحكام وواقعات الأيام لابن قطلوبغا ، تحقيق سعود المعيني ، بغداد 1983 ، ص 194 - 195 .