تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
الخروج على الدولة . فالقضية بينهم في الحقيقة هي قضية علاقة الشريعة بالسياسية ؛ وهي قضية سبق أن ألمحنا إليها « 1 » عند عرض تطور المذهب في عهدي الجيل الثاني والثالث من أجيال الحنفية . ومحمد بن إدريس الشافعي ( 150 - 204 ه ) مؤسّس المذهب عاش في حقبة سطوة الأحناف لحسن علاقاتهم بهارون الرشيد ، والمأمون ؛ وهي حقبة كان فيها الصراع على أشدّه بين أصحاب الحديث ، والسلطة السياسية . ولذا تنفصل الشريعة عن السياسة بشكل أوضح لدى الشافعية والحنابلة مقارنة باتجاه الحنفية . ويمكن إيضاح ذلك بمثل الزكاة التي انفصلت في وقت مبكر عن مجال عمل الدولة في وعي المسلمين وتصرّفاتهم استنادا إلى الفصل بين « الأموال الظاهرة » ، والممتلكات الأخرى . فمن المعروف أنّ أبا بكر الصّدّيق ( 11 - 13 ه ) قاتل العرب بعد وفاة الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه لفصلهم الصلاة عن الزكاة ؛ أي لإبائهم أداء الزكاة للسلطة الإسلامية بالمدينة المنورة . بيد أنّ عثمان بن عفّان الخليفة الراشديّ الثالث ( 23 - 35 ه ) أوكل إلى الناس أداء زكواتهم ؛ أي أنه اعتبر الزكاة فرضا فرديا مثل الصلاة الأفراد هم المولجون بأدائها بالطريقة والوقت الذي يختارون ، والتبعة عليهم أمام اللّه سبحانه وليس أمام السلطة السياسية . بيد أنّ السلطات بعد عثمان لم تقرّ دائما بذلك ، وكانت تصرّ على حقّها كخلافة عن النبوة في استيداء الزكاة من الأفراد عن الأموال الظاهرة على الأقلّ . والشافعية ممن يصرّون على شعائرية الزكاة ، أي على دخولها في مفهوم الدين والشريعة الشاملة ، فهي فرض ذو طبيعة شعائرية لا علاقة للسلطان السياسيّ به إلّا من حيث كونه واسطة إدارية لإيصال الحقّ إلى مستحقّه وعند الضرورة ، وليس في كلّ
هامش
( 1 ) قارن بمقالتي بمجلة الاجتهاد ، العدد الثاني ، شتاء 1989 ، بعنوان : التدوين والفقه والدولة ، ص 99 - 107 .