خلال « إمارة الاستيلاء » التي ذكرها في الأحكام السلطانية ، والتي تعني « 1 » : « أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلّده الخليفة إمارتها ، ويفوّض إليه تدبيرها وسياستها . . . » . وقد علّل الماورديّ أسباب المصير إلى قبول هذا السلطان شبه المطلق رغم وجود الخليفة بما في ذلك « من حفظ القوانين الشرعية وحراسة الأحكام الدينية » ، و « حفظ منصب الإمامة في خلافة النبوة » ، و « اجتماع الكلمة على الألفة والتناصر ليكون المسلمون يدا على من سواهم » « 2 » . لذا فإنّ دعوى الطرسوسي تتضمّن مغالطة مكشوفة ألجأه إليها الإمعان في الجدل مع الشافعية .
وهناك مسائل أخرى ذات طبيعة سياسية يجادل فيها الطرسوسي الشافعية ، ويعتبر مذهبه أقرب لمصالح الدولة والسلطان . من هذه المسائل قضية صلاة الجمعة والعيدين . فالأحناف - حسب الطرسوسي - لا يجيزون الجمعة والعيدين إلّا بحضور السلطان أو نائبه أو إذنه . بينما يجيز الشافعية كلّ ذلك بدون السلطان أو إذنه « 3 » . وهذه القضية صحيحة في الأساس .
فالأحناف يشترطون المصر ، والسلطان للجمعة والعيدين ؛ بينما لا يشترط الشافعية ذلك . لكنّ هذا كلّه يتّصل بالأفهام المختلفة في المذهبين لمعنى المدينة والمصر ، وعلاقة صلاة الجمعة والجماعة بالسلطان السياسي في القرنين الثاني والثالث للهجرة ؛ وليس المقصود بذلك معارضة السلاطين أو
هامش
( 1 ) الماوردي : الأحكام السلطانية ؛ مصدر سابق ، ص 54 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 55 .
( 3 ) تحفة الترك ق 18 أ - 18 ب . وقارن برأي الحنفية وتعليلاته في مختصر الطحاوي ص 35 ، والمبسوط 2 / 25 ، وبدائع الصنائع ، نشرة مصر 1377 ه ، 2 / 664 .
وانظر رأي الشافعية في الأمّ 1 / 192 ، ومنهاج الطالبين للنووي ، نشرة مصر 1325 ه ، ص 21 .