في العقائد - كلّهم على رأي أهل السنّة والجماعة ، يدينون للّه تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري لا يحيد عنها إلّا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال ، ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم . . . » . أمّا اعتراف الزبيدي بالآخرين فهو غير مشروط هنا ؛ لكنّ الزبيدي والأحناف هم الذين كانوا في موضع الاتّهام . ورغم أنّ اعتراف السبكيّ مشروط ؛ فإنه ما جاء إلّا بعد أجيال من الصراع والجدل بين فقهاء ومتكلّمي أهل السنّة . فمعاصرو أبي حنيفة وتلامذته من أصحاب الحديث والمالكية والشافعية ما كانوا يرون أنهم من « أهل السنّة والجماعة » لعدة أسباب : اختلافهم معهم حول مفهوم الإيمان ، وتطرفهم ( أي الأحناف ) في الأخذ بالرأي على حساب الآثار ، وصيرورة كثير منهم إلى الاعتزال في العقيدة ، واقترابهم أكثر من الضروريّ من السلطة والسلطان . ثم تبلور اتّجاه عقديّ سلفيّ حنفي بمصر والشام مطالع القرن الرابع بدا في عقيدة الطحاوي ( - 321 ه ) الحنفي ، وظهر التّرك في القرن الخامس الهجريّ حماة للإسلام السنّي من أقصى المشرق وحتى الشام ومصر وآسية الصغرى ؛ وكانوا شديدي التعصّب للأحناف فانتهى الجدل العقديّ حول سنيّة الأحناف ؛ وتركّز النزاع في المسائل الفقهية التفصيلية . يبدو ذلك في رسالة إمام الحرمين الجويني الشافعي ( - 483 ه ) في نصرة الشافعية على الأحناف ؛ وفي مؤلّفات سبط ابن الجوزي الحنفي ( - 654 ه ) في الانتصار للأحناف على الشافعية « 1 » . ويمكن اعتبار رسالة الطرسوسيّ هذه متابعة للجدل الفقهيّ بين الطرفين ؛ مع أمرين جديدين بارزين أولهما مصير الأحناف هنا إلى الهجوم بعد أن كانوا دائما في مواقع دفاعية ؛ لا لشيء إلّا
هامش
( 1 ) كتب أبو منصور عبد القاهر البغدادي رسالة في الردّ على كتاب الجرجاني في نصرة مذهب أبي حنيفة ( طبقات السبكي 5 / 140 ، 145 - 146 ، وطبقات ابن قاضي -