يجعل هذا التعليل غير مقبول بتاتا الإبقاء على القاضي المشكوّ منه ؛ أعني ابن بنت الأعزّ ؛ في منصبه في التعيينات الجديدة ؛ بل واختصاصه بصلاحيات قدّمته على الآخرين كما سبق أن ذكرت . وهكذا يكون علينا أن نبحث عن أصول هذا التنظيم في سياق أوسع يتّصل بطبيعة السلطة المملوكية ، وفهمها لذاتها ودورها في دار الإسلام والعالم . ففي العام 659 ه بعد مضيّ سنوات ثلاث على سقوط الخلافة العباسية ببغداد على يد المغول ؛ ألجأ المماليك بالقاهرة رجلا من سلالة بني العبّاس ، واعترفوا به أميرا للمؤمنين مقرّه القاهرة . ويكشف هذا التصرّف عن وعي بالتاريخ ، وبالأمّة ؛ يعتبر دار الإسلام وحدة واحدة ، وأمته أمة واحدة مستمرة في التاريخ والحاضر رمزها الخليفة العبّاسيّ أمير المؤمنين الذي تتطلّع إليه أبصار المسلمين في العالم كلّه : « فلمّا تمت البيعة قلّد الإمام المستنصر باللّه السلطان الملك الظاهر البلاد الإسلامية وما ينضاف إليها ، وما سيفتحه اللّه على يديه من بلاد الكفّار . . . » « 1 » . وخاطبه في العهد الذي كلّفه به قائلا « 2 » : « . . . وبك صان اللّه حمى الإسلام من أن يبتذل ، وبعزمك حفظ اللّه على المسلمين نظام هذه الدول » . لقد تحوّلت القاهرة مقرّ السلطة المملوكية بعد موقعة عين جالوت ضدّ التتار عام 658 ه وانتقال الخلافة العبّاسية إليها عام 659 ه إلى عاصمة لدار الإسلام « 3 » ، وصار السلطان المملوكي سلطانا للإسلام والمسلمين « 4 » : « فتماسك . . رمق الإسلام ،
هامش
( 1 ) المقريزي : السلوك 1 / 2 / 435 .
( 2 ) ابن عبد الظاهر : الروض الزاهر ، مصدر سابق ، ص 107 - 108 .
( 3 ) يقول العمري في مسالك الأبصار ، تحقيق دوروتيا كرافولسكي ، بيروت 1986 ، ص 96 : « مملكة مصر والشام والحجاز وتلك عمود الإسلام ، وفسطاط الدين » .
( 4 ) ابن فضل اللّه العمري : مسالك الأبصار ، تحقيقKlausLech، ويسبادن 1968 ، ص 7 - 10 .