من بعد . ولا شكّ أنّ موقع الأحناف في الدولة ومنها تأثّر بتخلّي المتوكّل ( 232 - 247 ه ) عن الاعتزال ؛ إذ ظلّ قسم كبير من الأصوليين والمتكلمين الأحناف متعاطفا مع المعتزلة حتى القرن الخامس الهجري « 1 » . لكنّ ذلك لم يحل دون بروز قضاة من الحنفية بعد منتصف القرن الثالث ببغداد وغيرها « 2 » .
وقد ترك الجيلان اللذان عملا في الدولة ؛ في القضاء ، وغيره من المناصب آثارا عميقة في المذهب . فعلى المستوى السياسي تناسى الأحناف التراث الثوريّ لشيخهم أبي حنيفة ؛ فصارت الطاعة للسلطان واجبا
هامش
سيرة نقدية حديثة لأبي حنيفة حتى الآن . وقارن بعبد الحسين علي أحمد : موقف الخلفاء العباسيين من أئمة أهل السنّة الأربعة ومذاهبهم وأثره في الحياة السياسية في الدولة العباسية ، نشر دار قطري بن الفجاءة بقطر 1985 ، ص 32 - 110 ؛ وهي دراسة غير نقدية لكنها تجمع كلّ ما قيل في مواقف أبي حنيفة من الدولتين والثائرين عليهما .
( 1 ) انظر ابن الجوزي : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ، نشر دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن 1359 ه ، 7 / 287 : « وفي سنة ثمان وأربعمائة استتاب القادر باللّه أمير المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية فأظهروا الرجوع ، وتبرأوا من الاعتزال ، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام . . . » .
( 2 ) ابن قطلوبغا : تاج التراجم ، نشر مكتبة المثنى ، بغداد 1962 ، ص 17 - 18 ، 19 - 20 ، 25 ، 28 ، 54 ، 55 ، 81 ، 87 ؛ والتميمي : الطبقات السنية ، تحقيق عبد الفتّاح محمد الحلو ، القاهرة 1970 ، 1 / 218 - 221 ، 225 - 226 . وقد جمع ابن فضل اللّه العمري في تراجمه للفقهاء الأحناف بمسالك الأبصار تراجم الأجناف الذين تولّوا مناصب بالدولة العباسية بين القرنين الثاني والرابع في صعيد واحد ؛ قارن بابن فضل اللّه العمري : مسالك الأبصار ، تصوير معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت 1988 ، 6 / 12 - 61 .