متعلقا بمدى دعم السلطة السياسية له . ومؤسّسو المذاهب بالذات لم يكونوا - في الغالب - ذوي علاقة حسنة بالسلطة المركزية أو الولاة في الأمصار التي اشتهروا فيها . بل إنّ بين هؤلاء من كان في موقع المعارضة من السلطة القائمة . لذا فإنّ دراسة أسباب انتشار مذهب معيّن واختفاء آخر أو تضاؤله ؛ ينبغي أن تأخذ في الاعتبار عوامل أخرى غير الولاء للسلطة أو المعارضة لها . من هذه العوامل : طبيعة علاقة صاحب المذهب بالأعراف السائدة في مصره ، ومدى وعي فقهاء المذهب الأوائل بتميّزهم ودورهم ، ومدى قدرة الجيل الأول على تنشئة جيل ثان وثالث يتابع ويستوعب المحدثات في المجالات الاجتماعية والفكرية والسياسية « 1 » . على أنّ هذا كلّه لا يعني أنّ المذاهب الفقهيّة نشأت وازدهرت وانتشرت في فراغ سياسيّ . والمذهب الحنفيّ يمكن أن يشكّل في هذا السياق نموذجا لإشكاليات علاقات الفقهاء بالسلطة السياسية سلبا وإيجابا ، وتأثير ذلك على طبيعة تطور المذهب ، ومصائره الاجتماعية والفكرية .
ينتسب الأحناف جميعا إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت ( 80 - 150 ه ) ( شيخهم الأول ) . وتذكر المصادر التاريخيّة أنّ أبا حنيفة لم يكن قريبا من السلطة المركزية لا في أيام الأمويين ( 41 - 132 ه ) ولا في أيّام العباسيين ( وقد عاصر منهم الخليفتين السفّاح 132 - 136 ه ، والمنصور 136 - 159 ه ) . بل إنّ بعض المصادر تمضي أبعد من ذلك فتضع أبا حنيفة بين كبار المعارضين للأمويين والعباسيين على حدّ سواء . فقد دعم أبو حنيفة تمرّد زيد بن علي بن الحسين ( 122 ه ) على الأمويين ، كما شجّع على
هامش
( 1 )J . Schacht , The origins of Muhammedan jurisprudence , Oxford 1967 , p . 269 ff ; ders . Introduction to the Islamic Law . Oxford 1970 , p . 49 ff ; N . J . Coulson , A History of Islamic Law . Edinburg 1964 , p . 120 ff .