I
الأحناف والدولة
لا نعرف الكثير عن بدايات المذاهب الفقهية . بيد أنّ القليل الذي الذي نعرفه أنّ السلطة الإسلامية منذ البداية استأثرت بتعيين القضاة في المدن والأمصار في دار الإسلام . فالصورة التاريخية أنّ النبيّ صلوات اللّه وسلامه عليه كان يتولّى القضاء بنفسه - كذا كان خلفاؤه الأوائل . لذا فإنّ القضاة الذين بدىء بتعيينهم تدريجيا في العاصمة والأمصار اعتبروا نوابا عن السلطان السياسي حيث لم تعد مهماته المتزايدة تسمح له بأن يقوم بكل شيء بنفسه ؛ وبخاصة في المدائن المفتوحة ، والأمصار الصاعدة بعيدا عن العاصمة . والمعروف أنّ الأعراف الفقهيّة الأولى ظهرت في بيئات القضاة الأوائل هؤلاء وبذلك فإنها لم تكن بعيدة عن مجال السلطة السياسيّة ؛ وبخاصة في المسائل التي كانت تهمّها مباشرة . لكننا نقرأ منذ وقت مبكّر يعود إلى أواخر القرن الأول الهجريّ عن أعراف الشاميين ، وأعراف أهل العراق ، وأعراف الحجازيين التي تختلف نتيجة لها أقضية القضاة رغم وحدة السلطان السياسي آنذاك ، ورغم أنّ أمير المؤمنين كان المعيّن لكلّ أولئك . لذا فإنّ مسألة تأثير السلطة السياسية على الفقه والفقهاء في مرحلة النشوء أكثر تعقيدا مما يبدو لأول وهلة . وما يسري على القضاة أفرادا يسري عليهم فئات عندما بدأ تكوّن المذاهب الفقهية . فقد كان بوسع الخلافة أن تدعم هذا المذهب أو ذاك ؛ لكنّ بقاء المذهب وانتشاره لم يكن