فقال له الغلام : ما هو إلّا معتدل ، فقال إسماعيل : واللّه ما اعتدل الحقّ والباطل قبل هذه الليلة ، فضحك عروة .
قال الأصمعىّ : قدم تاجر من أهل الكوفة المدينة بأخمرة فباعها كلها إلّا السّود منها ، فلم تنفق ، وكان صديقا للدارمىّ الشاعر ، فشكا ذلك إليه ، وقد كان الدارمىّ تنسّك ، وترك الشعر والغناء . فقال له : لا تهتمّ بذلك فإنّى سأنفقها لك حتى تبيع جميعها إن شاء اللّه تعالى ، ثم قال :
قل للمليحة في الخمار « 1 » الأسود * ماذا صنعت بزاهد متعبّد « 2 » قد كان شمر للصّلاة ثيابه
حتّى عرضت له بباب المسجد * ردّى عليه صيامه وصلاته
لا تقتليه بحقّ دين محمّد « 2 »
فشاع قول الدارمىّ هذا في الناس : وقالوا : رجع الدارمىّ عن نسكه ، وعاد إلى فتكه « 3 » ، فلم يبق في المدينة امرأة ظريفة إلّا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان منها مع العراقي ، فلما علم الدّارمىّ ذلك ، رجع إلى نسكه ولزم المسجد .
والدارمىّ هذا أصله مكىّ ، ثم انتقل إلى المدينة زمن عمر بن عبد العزيز ، وعاش إلى خلافة بنى العباس ، وانقطع إلى عبد الصمد بن علي وكان شاعرا مطبوعا ، ترك ذلك وتنسك « 4 » ، وهو القائل :
هامش
( 1 ) ا : القاع .
( 2 ) ساقط من ب ، وانظر المستطرف 2 / 23 ، وفيات الأعيان 3 / 303 ، الأغانى 3 / 48 .
( 3 ) الفنك : المجون .
( 4 ) انظر في ترجمته الأغانى 3 / 45 - 50 .