باب الملح وما به النّفس ترتاح من مباح المزاح
قال الأصمعىّ : وصلت بالعلم ، وكسبت بالملح .
قال عبد الرحمن بن أبي الزّناد : قلت لأشعب : أنت شيخ كبير ، فهل رويت شيئا من الحديث ؟ قال : بلى ! حدثني عكرمة عن ابن عبّاس ، عن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة . قلت : وما هما ؟ قال :
نسيت أنا واحدة ، ونسي عكرمة الأخرى .
كان أشعب الطّمع كثير الإلمام بسالم بن عبد اللّه بن عمر ، فأتاه يوما وهو في حائط مع أهله ، فمنعه البواب من الدّخول عليه من أجل عياله ، وقال : إنّهم يأكلون . فمال عن الباب ، وتسوّر عليهم الحائط ، فلمّا رآه سالم ، قال :
سبحان اللّه يا أشعب ! على عيالي وبناتي تتسوّر . فقال له :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ
« 1 » . فقال له : انزل يأتك من الطّعام ما تريد .
أخذ قوم في قطع ، فقدّموا لضرب أعناقهم ، فقام منهم واحد ، وقال :
اللّه اللّه فىّ ، فو اللّه ما كنت في شئ مما كانوا فيه ، وإنما كنت أشرب معهم وأغنّى لهم ، فقالوا : هات فغنّ لنا ، فارتجت عليه الأشعار إلّا قول الشاعر :
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكلّ قرين بالمقارن مقتدى « 2 »
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية 79 .
( 2 ) محاضرات الأدباء 2 / 3 ، والبيت لعدى بن زيد العبادي كما في مجموعة المعاني 14 ، الشعر والشعراء 132 حماسة البحتري 236 ، فصل المقال 243 .