تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
يتحككون بقضايا لا يجوز لهم التطرق إليها ، ولا جدوى من ورائها ، ومن أجلها أخذوا بالتجرؤ على اللّه سبحانه وتعالى بأسئلة من مثل : ما مراد اللّه بكذا ؟ وما علته في كذا ؟ ونصبوا من أنفسهم حكاما على اللّه - تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا - فقالوا : واجب عليه أن يفعل كذا ، ويستحيل عليه فعل كذا ، ولو فعل كذا لكان كذا ؛ قال أبو حيان : « وهذا تحكك بالإله ، وتمرّس بالرّب ، وليس لك إلا ما ألقاه إليك ، وعرضه عليك ، وسهّله لك ، ورفع الشبهة عنك ؛ فأما ما غمض واستتر ، وخفي واستسرّ ، فإياك أن تتعرض له ، وتحوم حوله وتطلب قياسه ونظيره . . . لأن اللّه لم يبن هذه الدار ولم يرتب هذا العالم ، ولم ينظم هذا الفلك على قدر عقلك الضعيف ، ولم يستشر استحسانك واستقباحك ، فإن تعدّيت طورك نكسك وردك على عقبيك . . . وجعلك عبرة للناظر إليك وآية للمعتبرين بك . . . » « 1 » ولقد جعل التجرؤ على اللّه المتكلمين أبعد الناس عن الورع والتقوى والدين الصالح « 2 » ، « ولهذا قلّ التألّه فيهم ، ورحلت هيبة اللّه عن قلوبهم ، وكثر التأويل في كل أمورهم عليهم ، وطمع فيهم الشيطان في جميع أحوالهم » « 3 » ، وبدلا من أن يصبح اللّه وجهتهم أصبحوا وذواتهم مقابل أعينهم ، إليها يتجهون ، وعليها يعوّلون ، فهم عاشقون لآرائهم ، راضون عن أنفسهم « 4 » . والمأزق الثاني الذي وقع فيه علم الكلام والآخذون به هو ظنهم أن علمهم هو العلم الوحيد الصالح الذي به يذبّ عن حياض الدين ؛ قال : « وادّعوا أن الإقبال على هذا النوع تصحيح للتوحيد ، ومعرفة بالأصول ، وإثبات
هامش
( 1 ) من مقدمة الجزء السادس . ( 2 ) انظر الجزء الثاني ، الفقرة : 305 . ( 3 ) الجزء السابع ، الفقرة : 704 . ( 4 ) انظر الجزء السابع ، الفقرة : 187 د .
البصائر والذخائر — صفحة 300 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / وداد قاضي