وعندما ننتقل إلى الفلاسفة ، نجد أبا حيان يتخذ منهم موقفا إيجابيا ، وإنما الفلاسفة في نظره هم أصحاب الحكم المروية ، فهو يقول في كلامهم إن له موقعا عجيبا وتأديبا محمودا ، ويحضّ القارئ على ألّا يستوحش منهم ، ويدعو اللّه أن يقيه شرّ ما يقال فيهم « 1 » . وهو يشبّه أقوالهم بأقوال الصوفية « 2 » ، « فإن التصوّف والفلسفة يتجاوران ويتزاوران » « 3 » ، سوى أن أقوال الصوفية عويصة تحتاج إلى شرح « 4 » ، وعلى وجه الإجمال فلهم « إشارات سليمة وألفاظ صحيحة ومرامات بعيدة وفوائد جمّة » « 5 » .
وبقي من فئات المجتمع فئة العامة ، والتوحيدي لم يتعرض لأي حكم عليها في كتاب البصائر ، سوى ما ذكره من أخطائها في اللغة « 6 » ، والعامة معروفة باللحن « 7 » ، وهي لا تؤاخذ به كما تؤاخذ به الخاصة « 8 » . على أن التوحيدي اهتمّ اهتماما خاصا بتصوير العامة في عصره من خلال معتقداتها وأمثالها ومجالسها « 9 » ، فكان بذلك أول من فتح الطريق إلى هذا النوع من التدوين في تاريخ الأدب العربي كله ، وعنه نقل من نقل من بعد ، وإنّ احتفاله بما نسمّيه اليوم « الأدب الشعبي » من معتقدات وأمثال ونوادر ومواقف للشّطّار ومناظر من
هامش
( 1 ) انظر الجزء الثاني ، الفقرة : 551 .
( 2 ) انظر الجزء الثاني ، الفقرة : 505 .
( 3 ) الجزء السادس ، الفقرة : 592 .
( 4 ) انظر مثلا الجزء الثاني ، الفقرة : 471 .
( 5 ) الجزء السادس ، الفقرة : 592 .
( 6 ) انظر مثلا الجزء السابع ، الفقرة : 670 و 736 ؛ والجزء الخامس ، الفقرات : 240 ب و 273 و 386 .
( 7 ) انظر الجزء الأول ، الفقرة : 151 .
( 8 ) انظر الجزء التاسع ، الفقرة : 162 / 4 .
( 9 ) انظر الجزء التاسع ، الفقرة : 162 و 163 ، والجزء السابع ، الفقرة : 533 ، والجزء الرابع ، الفقرة : 538 .