إذا خرج من يدك لم يعد إليك ، واعلم أنّ الدينار محموم فإن صرفته مات . . . » « 1 » . كذلك فقد في هذا الزمان السيئ الرئيس الذي يرغب في المكارم ، ويرى اصطناع الخير إلى الأدباء « 2 » ، وبدلا من أن يقوم من بين هؤلاء الأدباء أو المفكرين من يصلح رؤساء العصر ، صاروا أنفسهم ضحيته :
« أتباع مرغوب إليه مرهوب منه » « 3 » . وهكذا صار الرجل الصالح في هذا الزمان كالكبريت الأحمر « 4 » ، وانقلبت المقاييس كلها انقلابا تامّا ، فالإحسان من الإنسان « زلّة ، والجميل غريب ، والخير بدعة ، والشفقة ملق ، والدعاء حيلة ، والثناء خداع ، والأدب مسألة ، والعلم شبكة ، والدين تلبيس ، والإخلاص رياء ، والحكمة سفه ، والقول هذر ، والاطراق ترقّب ، والسكوت نفاق ، والبذل مكافأة ، والمنع حزم ، والإنفاق تبذير » « 5 » ، ولما لاحظ الخليلي هذه الناحية وقال : « اعلم أني أصبحت بين إمام لا يعدل ، ووزير لا يفضل ، وعالم لا يتألّه ، وغنيّ لا يؤاسي ، وفقير لا يصبر ، وجليس لا يحلم ، وواعظ لا يعفّ ، وحاسد لا يكفّ ، وصديق لا يعين ، وجار لا يستر ، وجاهل لا يتعلم ، ومتعلم لا يتحرّج ، وقاض لا ينصف ، وشاهد لا يصدق ، وتاجر لا يتورع ، وعدوّ لا يتّقي » « 6 » - عندما قال الخليلي ذلك ، علّق أبو حيان على قوله بأن قال : « . . . ولكن كما علمت أن ما طوى أكثر مما نشر ، وما دفن أخبث مما أنشر ، وما أشار إليه أقبح ممّا نصّ عليه ، وما روي عنه أفحش مما أفصح به » .
هامش
( 1 ) الجزء التاسع ، الفقرة : 339 ب .
( 2 ) من خاتمة الجزء التاسع .
( 3 ) الجزء السابع ، الفقرة : 375 .
( 4 ) انظر الجزء السابع ، الفقرة : 590 .
( 5 ) من مقدمة الجزء الرابع .
( 6 ) من مقدمة الجزء السادس .