تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
وأفرط في التشنيع عليهم ، وتناهى في تتبع قبائحهم » « 1 » ؛ وكان أبو عبد اللّه الطبري « كثير النوادر ، فصيح اللسان ، وكان رئيسا في الباطنية ، وكان جريء المقدم ، متّقى اللسان ، وكان ابن العميد يحبّه ويقدّمه ، وله إليه رسالة مشهورة تتضمن عتبا ممضّا ، وأجابه عبد اللّه عنها فما عجز عن موازنته . على أنّ الكتابة لم تكن ديدنه ، ولكنه كان عجيب الكلام في كل فنّ ، وكان معتمده على الإبهام دون الإفهام . . . وقد قاوم بالريّ أبا يعقوب الجبائي شيخ القوم ، بل أوفى عليه فكشف عنه . . . ومات سنة تسع وخمسين وثلاثمائة » « 2 » ؛ إلى غير ذلك من أحكام شديدة الإبانة - في تفصيلاتها - عن معاصري أبي حيان . ونجد في كتاب البصائر مقاطع عديدة يتحدث فيها أبو حيان عن الزمان الذي كان يعيش فيه ، والصورة الإجمالية لهذا الزمان قاتمة جدّا ، فهو زمان خلا من الدين والديانين ، فأخذ الشيطان بحظه منه ، وأخذ يسرح ويمرح ، وأبو حيان يتجه إلى اللّه في هذا الموضوع قائلا : « قد استحوذ الشيطان ، وخبثت النفس ، وساءت العادة ، وكثر الصادّون عنك ، وقلّ الداعون إليك ، وذهب الراعون لأمرك ، وفقد الواقفون عند حدودك ، وخلت ديار الحق من سكانها ، وبيع دينك بيع الخلق ، واستهزئ بناصر مجدك ، وأقصي المتوسل بك » « 3 » . في مقابل ذلك أخذ أهل الزمان بالاهتمام بالأمور المادية وحدها دون سواها وصاروا يتبجّحون باللؤم والسخف ويحتجّون للبخل بالحزم ، « وقد تواصى الناس بكلام الكندي لعنه اللّه حيث يوصي ابنه : يا بني ، أما بعد ، فكن مع الناس كلاعب الشطرنج ، تحفظ شاهك وتأخذ شاههم ، فإنّ مالك
هامش
( 1 ) من مقدمة الجزء السادس ؛ وانظر أيضا الجزء نفسه ، الفقرة : 588 . ( 2 ) الجزء السابع ، الفقرة : 220 . ( 3 ) من مقدمة الجزء الرابع .