كان أحوج أبا سليمان أن يوضح علة هذا فإنه شنيع ، ولقد رأيت من أبناء التصوف من هجر العبادة بمثل هذا القول » « 1 » ، وقال تعليقا على قول النخعي :
« لا يحرّم النبيذ إلا صاحب بدعة أو هوى » : « ليته ذكر العلة ، فقد واللّه آلمني غير مكترث ، وما هذا احتياط الفقهاء المتحرّجين » « 2 » .
هذا ومما له صلة بالرواية مسألة نسبة الحكمة الواحدة إلى غير قائل ، وقد روى التوحيدي مرة حكمة لعلي ثم علّق عليها فقال : « هذا رواه لي بعض المجوس لبزرجمهر ، ورواه لي بعض العلوية لجده ، ورواه لي آخر مرسلا » « 3 » .
وتشكل هذه الظاهرة مشكلة لدى أبي حيان ، إلا أنه لا يرى لها حلّا ، نظرا لطبيعة الحكمة نفسها ؛ قال : « واللّه تعالى أعلم وأحكم بالصواب ، فالحكمة نسبتها فيها ، وأبوها نفسها ، وحجتها معها ، وإسنادها متنها ، لا تفتقر إلى غيرها ويفتقر إليها ، ولا تستعين بشيء ويستعان بها » « 4 » .
وللتوحيدي موقف واضح من مسألة علاقة الألفاظ بالمعاني ، وقد واجهه مرة الفقيه الداركي بقوله إن اللحن لا يهم وإنما المهم هو المعاني وقال : « أنا ألحن وألحن ، ولكن كلموني على المعاني إن كان لكم إليها سبيلا » « 5 » ، فهبّ التوحيدي لمعارضته مؤكدا أن « المعاني ليست في جهة والألفاظ في جهة ، بل هي ممازجة متناسبة ، والصحة عليها وقف ، فمن ظن أن المعاني تخلص له مع سوء اللفظ ، وقبح التأليف ، والإخلال بالإعراب ، فقد دلّ على عجزه ونقصه » « 6 » . وفي مكان آخر من البصائر « 7 » أكّد هذا الموقف ، وتحدث عنه
هامش
( 1 ) الجزء الثامن ، الفقرة : 519 .
( 2 ) الجزء الرابع ، الفقرة : 284 .
( 3 ) الجزء الأول ، الفقرة : 228 ؛ وانظر أيضا الجزء الثامن ، الفقرة : 553 .
( 4 ) الجزء الأول ، الفقرة : 228 .
( 5 ) الجزء السادس ، الفقرة : 92 .
( 6 ) الجزء السادس ، الفقرة : 92 .
( 7 ) انظر الجزء الخامس ، الفقرة : 276 .