تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وظاهرك عن الهجنة ، وباطنك عن الفتنة . . . هناك تتفرغ لحسابك ، وتتصفح ما يخصك واعتبار ما يكون صلاحه منوطا بك ، وفساده منفيا عنك ، وآثاره راجعة إليك ، وريعه واقفا عليك ، فلا تعتقد إلّا حقّا يصحبه البرهان ، ولا تقول إلّا صوابا يشهد له الدليل . . . » « 1 » . ننتقل بعد هذا إلى بعض المواقف الدقيقة الأخرى التي أبان عنها التوحيدي في البصائر ، ويأتي على رأسها موقفه من آفة الرواية ، كما يسميها ، ويعني بذلك الخلل أو الخطأ أو الفساد الذي يصيب الخبر المعين عن طريق روايته بشكل ناقص أو مبالغ فيه ، أو حتى بشكل مختلف . ولعل أوضح النّماذج على ذلك تعليقه على الخبر القائل إن بلال بن أبي بردة أعطى رجلا عشرة آلاف درهم ، فإنه قال : « قد سمعت هذه الحكاية على غير هذا الوجه تحكى لبعض من اجتدى ، وطرق الرواية مختلفة ، والكذب كثير ، والتزيّد واسع ، فكان أبو مخلد يقول : لا تصدق بقول المحدثين : فلان أعطى فلانا عشرين ألف درهم ، وفلان وصل ندمانه في ليلة بمائة ألف درهم ، وفلان فعل وفلان صنع ، ويقول : هذه أكاذيب الورّاقين ، وليس لما يحكى عن البرامكة حقيقة ، وإنما يختلق هذه الألفاظ والمعاني ناس ختلوا قوما عن دينارهم ودرهمهم ، وإلا فلم لا نرى في عصرنا مثل هذا ؟ أترى الناس قد مسخوا ؟ » « 2 » . وعندما روى أبو حيان خبرا عن أبي جعفر المنصور شبّه فيه نفسه بعمر بن الخطاب ، ثار أبو حيان واستبعد أن تكون الحادثة قد حدثت على الوجه الذي رويت به ، ووجه شكّه إلى الرواية بقوله : « وأبو جعفر أكبر من ذلك ، ولعل الحكاية موضوعة عليه ، فآفة الأخبار كثيرة ، والظنة إلى أهلها سريعة ، وتخليص السقيم من الصحيح صعب ، وقد دهي الناس في جميع
هامش
( 1 ) من مقدمة الجزء السادس . ( 2 ) الجزء الرابع ، الفقرة : 359 ب . 19 * 5 البصائر
البصائر والذخائر — صفحة 289 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / وداد قاضي