« لا رادّ لقضائه ، ولا معقّب لحكمه ، ولا سائل عن فعله ، ولا باحث عن سرّه ، ولا معارض لحكمه ، جلّ عما يجوز لخلقه . . . ، له الخلق والأمر ، ذلكم اللّه ربكم فاعبدوه مخلصين له الدين . . . » « 1 » .
ويزداد موقف التوحيدي المائل إلى الأخذ بالاضطرار وضوحا لدى معالجته مسألة الرزق : هل الرزق « مقسوم » للناس بغضّ النظر عن جهودهم لتحصيله ، أم أن الرزق مرتبط بالسعي إليه . وقد كان أبو حيان يعرف دقة هذا الموضوع وحساسيته ، وقد قال : « والكلام في الرزق خفيّ ، والبحث عنه شاقّ ، والمدخل فيه غامض ، والناس على طبقاتهم يموجون فيه بالصحيح والسقيم ، والفاسد والسليم » « 2 » . غير أن إلحاح هذه المشكلة عليه ، وهو المحروم على الدوام ، جعله يتعرض لها في البصائر - وفي غيره من مؤلفاته - وموقفه منها في البصائر واضح ، وهو أن الرزق بيد اللّه تعالى ، يؤتيه من يشاء كيفما يشاء ، متى يشاء ؛ قال : « والحق الذي لا يطور به الباطل ، والحجة التي لا تتخونها شبهة ، أن الإنسان منذ يسقط من بطن أمه إلى أن يلحد في ضريحه ، مكفول به مصنوع له ، وأن كافله وصانعه يدبّره بمشيئته وإرادته على ما سبق من علمه وحكمته » « 3 » . وعلى الرغم مما في هذا الموقف من تسليم كلي ، فإنه يمكن أن يشتمّ منه نبرة من الارتياح ، كأنّ اللّه لا يمكن أن يترك أيّا من عباده دون رزق يبقي على رمقه على الأقلّ ؛ وأيا كان الأمر ، ففي بعض نصوص التوحيدي ما يفيد أنه كان يؤمن باستمرار التراوح في الرزق بين الضيق والسعة لدى الإنسان ، وذلك للتراوح القائم في صلب تكوين الإنسان ، ولذلك يقول : « فالعبد مرة محروم ليبتلى صبره ، ومرة واجد ليعرف شكره ، ولن يصفو من الدنس ، ولا يعرى من لباس الهوى ، ولا يصلح لسكنى الجنة إلا
هامش
( 1 ) الجزء السابع ، الفقرة : 187 د .
( 2 ) الجزء السابع ، الفقرة : 770 .
( 3 ) الجزء السابع ، الفقرة : 770 .