تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
فإنه - كالملك - « لو بسط الجميع إلى معرفة ما غيب عنه ساووه في الإلهية ، وهذا محال ، ولو حسم الأطماع عن معرفة ما يمكن لكان غير داع إلى نفسه ، ولا حائش إلى أنسه ، ولا باعث على الإقرار بإلهيته والاعتراف بربوبيته ، فأودع العقول ما تمّت به العبودية ، ودفع عنها ما تعلق بالإلهية » « 1 » ، ولذلك فمن « ظن أنه جهله من جميع الوجوه أبطل . . . ومن ظن أنه عرفه من جميع الوجوه أبطل . . . » « 2 » . على أن الإنسان كثيرا ما يغترّ بعقله إلى درجة أنه يعترض على أحكام اللّه ، وهذا في نظر أبي حيان لا يجوز ، لأن « العبد أحقر من أن يعترض على مولاه » « 3 » ، وفي بعض الأحيان يجعل عقله حكما بينه وبين اللّه تعالى ، ما أجازه للّه حسن فعله ، وما أباه قبح فعله ، وهذا أيضا لا يكون ، « وكيف يكون هذا وهو إله من قبل العقل والعاقل والمعقول ، وإنما أبدع هذه كلها داعية إليه لا معترضة عليه ، وواصلة به لا قاطعة عنه ، ودالة على قدرته لا مضلّة عن حكمته ، ومتيقّنة لما بان لا شاكّة فيما أشكل » « 4 » . ولهذا كان أبو حيان يعجب بقول أبي زيد البلخي : « العقل آلة أعطيناها لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية ، فمن طلب بآلة العبودية حقيقة الربوبية ، فاتته العبودية ولم يحظ بالربوبية » « 5 » . ولهذا على الإنسان أن يقف عند حدود ما لا يعرف ، ويسلّم أمره للّه ، الذي هو له خير منه لنفسه « 6 » ، فبذلك وحده يصفو سره ، ويزكو عمله ، وتحمد عاقبته ، وإنما على الإنسان أن يظل « عالما بأن البدء منه ، والحجة منه عليك ، وأن الذي بنسبتك إليه أن تكون عبدا ذليلا ،
هامش
( 1 ) الجزء الثامن ، الفقرة : 187 د . ( 2 ) الجزء الثامن ، الفقرة : 187 د . ( 3 ) الجزء الرابع ، الفقرة : 28 . ( 4 ) الجزء الثامن ، الفقرة : 717 د . ( 5 ) الجزء الثامن ، الفقرة : 187 د . ( 6 ) انظر الجزء الأول ، الفقرة : 96 ب .
البصائر والذخائر — صفحة 283 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / وداد قاضي