تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
والذي لك عنده أن يجعلك ملكا عزيزا » « 1 » . ويتفرع عن قضية علاقة الإنسان باللّه قضية الجبر والاختيار : هل الإنسان مقيد بالقدر أم أنه حرّ الإرادة في التصرّف ؟ وهنا أيضا يقف أبو حيان موقفا وسطا أميل إلى الإيمان بالقضاء ، فهو يرى أولا أن التّمييز بين الاضطرار والاختيار تمييز متكلّف ، وقد حدث هذا التّمييز ، إما لعسر المراد في هذا الموضوع ، أو لضيق الإعراب وصعوبة التعبير عن هذه المسألة ، وإما للاصطلاح الذي يجهل سببه « 2 » . إذ الحقيقة البسيطة هي أن « الاضطرار موشّح بالاختيار ، والاختيار مبطّن بالاضطرار » « 3 » ، والإنسان « مطلق في صورة مقيّد ، ومختار في هيئة مضطرّ ، ومرسل في حلية ممنوع » « 4 » ، وهو أيضا « مطلق الظاهر مأسور الباطن ، مخيّر العلانية مملوك السرّ » « 5 » . وتعليل ذلك أن الإنسان لو كان متمكّنا كل التّمكّن ، غير خاضع قطّ للقدر ، لكان غنيّا بنفسه من ناحية ، ولكان غير سائل للتوفيق في كل ما يعمله من ناحية أخرى ، ولو كان خاضعا خضوعا تاما للقدر لكان غير مطالب ولا مخاطب من ناحية ، ولما عرف أمثال الندم والفرح « 6 » من ناحية أخرى ، وهذا هو جانب التوسط في موقف أبي حيان ؛ لكن هذا التوسط ليس توسطا مطلقا إذ يتبين من بعض النصوص الأخرى أنه توسط يميل إلى جهة الاضطرار ، لأن الإنسان عامة ، في نظره ، محبوس في ملك اللّه ، « مقيد بحكمه ، مرتبط بعلمه ، مراد بمشيئته ، ملحوظ بعينه ، محفوظ بعونه » « 7 » وعليه بالتالي ألّا يحاول تجاوز ما أراده اللّه به « 8 » ، فإنه
هامش
( 1 ) من مقدمة الجزء الخامس . ( 2 ) انظر الجزء الأول ، الفقرة : 498 . ( 3 ) الجزء الأول ، الفقرة : 498 . ( 4 ) الجزء الخامس ، الفقرة : 740 . ( 5 ) الجزء الثامن ، الفقرة : 238 . ( 6 ) انظر الجزء الثامن ، الفقرة : 238 . ( 7 ) الجزء الأول ، الفقرة : 96 ب . ( 8 ) انظر الجزء الخامس ، الفقرة : 740 .