قد وسم كتابه بسمته الشخصية على نحو حادّ ، لا فيما اختاره وانتقاه ( وإن كان الذوق الشخصي بارزا في ذلك ) وحسب ، وإنما في أمرين كبيرين ، الأول : ما أبان به عن فلسفته الذاتية في النظرة إلى الكون وإلى بعض القضايا التفصيلية ، والثاني : ما دوّنه من تجاربه الشخصية وانطباعاته الخاصة عن عصره .
أما بالنسبة للأمر الأول ، فإن كتاب البصائر يمكن أن يعتبر معرضا لموقف أبي حيان من مختلف القضايا الإنسانية التي كانت تشغل ذهنه ، والتي ما زال بعضها يشغل بال الإنسان حتى اليوم .
وأولى القضايا التي يتعرض لها التوحيدي في كتاب البصائر قضية علاقة الإنسان باللّه . ولقد تحدث عنها في أماكن كثيرة من هذا الكتاب ، وموقفه منها واضح تماما ، فمرتبة الإنسان هي مرتبة العبودية ، ومرتبة اللّه هي مرتبة الألوهية أو الربوبية ، وشتّان ما بين العبودية والربوبية « 1 » ! فاللّه سبحانه وتعالى « أنشأ العبد ثم تولاه ولم يخله من يده ، و . . . العبد يتصرف بين علمه وإرادته وأمره ونهيه في ظاهر تكليفه ، وطرفاهما بين الحالين يلتقيان ، وكلتاهما مستويتان ، و . . . الخلق ظهر منه ، وثبت به ، وانقلب إليه ، أعني أنه أبدأه وأنشأه في الأول ، وهو غذّاه وأنماه في الثاني ، وهو قبضه ورقّاه في الثالث ، باستطاعته ، واستبدّ بقدرته ، وانفرد بحوله وقوته . . . » « 2 » . وقد خلق اللّه للإنسان العقل ، والعقل هو « الوصلة ما بين الإنسان واللّه » « 3 » ، وقد عرّف اللّه الإنسان عن طريق العقل الشيء الكثير عنه وعن الكون ، ودعاه إليه ، وعن طريقه أوصله إلى التكليف ، إلا أنه لم يعرّفه كل شيء عنه ،
هامش
( 1 ) انظر مثلا الجزء الثامن ، الفقرة : 238 ، والجزء السابع ، الفقرة : 187 د ، وانظر أيضا مقدمة الجزء السادس .
( 2 ) الجزء الخامس ، الفقرة : 740 .
( 3 ) من مقدمة الجزء الأول .