بالتراث العربي الإسلامي بعامة ، وجعلته يدرك مدى اتساع هذا التراث ، ومدى الصعوبة التي يواجهها المثقف في السيطرة عليه أو حتى على جانب صغير منه . من هنا - فيما يبدو لي - بدأت تختمر في ذهنه فكرة انتزاع مختارات من التراث ، هي أفضل ما فيه ، تكون مضمومة بعضها إلى بعض ، وتكون وسيلة لتكوين « الأديب » الذي يأخذ من كل فن بطرف ، وذلك بالاطلاع السريع - نسبيا - على مختلف الأشكال من الإنتاج الفكري والأدبي للأمة عبر العصور ، ويكون « الأديب » قد كفي النصب بتعب غيره ، كما لا يفتأ أبو حيان يكرر في البصائر . ولئن كان الدافع الذاتي حافزا قويا لدى أبي حيان في كتابته لكتاب البصائر ، فإن همه الأكبر هو القارئ ، له جمع ما جمع ، وزيّن ما زيّن ، وهذا هو الأمر الوحيد الذي يفسّر توجّه التوحيدي إلى القارئ باستمرار في كتاب البصائر ، في مقدمات كل جزء منها وفي معظم خواتمها ، وفي عرض الكتاب بين الحين والحين ، بدرجة ملحوظة لا تخفى على الناظر فيه ، ولا يجدها الدارس في أي من الكتب الأدبية الأخرى . ولأجل هذا أقول إن تصوّر معظم الدارسين المحدثين أن أبا حيان جمع كتاب البصائر احتذاء لطريقة الجاحظ وحسب تصوّر قاصر ، وإنما قام أبو حيان بهذا العمل من حيث هو مثقف مسؤول عن خدمة المجتمع ، وكانت تلك طريقته في تلك الخدمة . فقد كان أبو حيان يدرك أهمية « تخليد » الأدب بكتابته ، كما سبق أن أشرت ، ونحن الآن عندما نقرأ في البصائر مادة لا رديف لها فيما قد وصلنا من مصادر ، ندرك كم كان لهذا الرجل من الفضل على التراث عندما احتفظ منه بعيون لم تعد أصولها متوفرة بين أيدينا . ومن هذا المنطلق يمكن أن نقول إن أبا حيان كان « مجددا » وإن في حدود التقليد ، وهذه أولى الخطوات التي تجعل من كتابه شيئا مميزا بين سائر الكتب الأدبية .
غير أن المسألة تتجاوز ذلك كله بكثير إذا نظرنا بدقة فيما في كتاب البصائر إلى جانب المنقولات إليه من الكتب السابقة عليه . إذ ذاك نجد أن التوحيدي
البصائر والذخائر — صفحة 281
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٢٨١