تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
كان يريد لكتابه أن يكون مجرد « مستودع » لأقوال الآخرين ، أم أنه كان ينوي أن يجعل له « شخصية » تميّزه بين سائر كتب الأدب العامة ؟ في محاولة للإجابة على هذا السؤال إجابة متأنية ، لا بد من العودة إلى بدايات الأمور ، فقد نشأ أبو حيان ذوّاقة للجميل من شعر ونثر وفكرة وخاطرة وملحة ، ومن كان له مثل هذا الذوق المرهف ، فإنه يظل لديه الاستعداد النفسي ليسجّل كلّ ما يمر به من تلك الروائع ؛ يضاف إلى ذلك أنه أثناء الجمع والانتقاء اتصل بمجالس ابن عبّاد وابني العميد ، فوجد أن شخصية « النديم » هي الشخصية الناجحة عند أمثال أولئك الكبراء والوزراء ، وقد كان أول اتصاله بالصاحب يضيق ذرعا بالنكت البذيئة التي يرويها الصاحب وندماؤه في مجلسه ، وينتقده على ذلك من زاوية أخلاقية ، غير أنه ما لبث أن تخلّى عن موقفه المعادي للنوادر الملهية ، فهو يختار تلك النكت نفسها التي أنكر على الصاحب ترديدها ، وكان إعجابه بالجاحظ ينمو ويتزايد ويحمله على تبنّي رأيه في إيراد الملحة الهزلية بلغة قائليها ، فأراد من جمع التفسير والحديث واللغة والحكاية والشعر و . . . الخ : تضمين كتابه المادة التي تساعد على تكوين « النديم » كما عرفه في مجالس الوزراء ، وبخاصة وأن هذا الأمر يسد نقصا عند التوحيدي نفسه ، إذ كان ما يزال « نكرة » في تلك المجالس . ولما انتدب أبو حيان ليكون نديما للوزير ابن سعدان ببغداد ، غلب عليه الجدّ والعمق الفكريّ والحكم النقدي والتحليل السياسي ، ولم يستطع أن يكون نديما لمحض التسلية ، وتلك هي الصورة التي يمثلها كتاب الإمتاع والمؤانسة . فبين البصائر والإمتاع مرحلة من نقلة واضحة لأن أولهما يحاول تكوين النديم المثقف المسلي والآخر يحاول تكوين المثقف المفكر ( مع شيء يسير من التسلية المريحة ) . كذلك لا بدّ أن نتذكّر أن البصائر كان النتيجة المباشرة لعمل أبي حيان في الوراقة مدى سنوات طويلة ، فقد عرّفته هذه المهنة - بكل ما فيها من سيئات - إلى أمهات الكتب العربية ، وأمكنته من أن يكون على صلة مستمرّة
البصائر والذخائر — صفحة 280 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / وداد قاضي