وإذا صحّ أن الراغب الأصبهاني والآبي قد اتخذاه في كتابيهما مصدرا أساسيا لهما ، فهذا يدل على ما وصل إليه من ذيوع سريع بين طلاب الأدب . أما السبب لذلك فسوف أتعرض له في قسم تال من هذه المقدمة ، وأودّ أن أتوقف هنا عند كتابين كان للبصائر الأثر البالغ فيهما بنصّ مؤلفيهما على ذلك ، وهما : ربيع الأبرار للزمخشري ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد . ولقد أشرت إلى مواطن التقاء هذه المصادر بالبصائر في حواشي الفقرات من الكتاب ، وإنما يهمني هنا أن أقول كلمة في كل واحد منهما على حدة .
أما ربيع الأبرار فإنه كتاب أدبي مصنف مرتب حسب الموضوعات ، فهناك باب للسحاب والمطر والثلج والرعد والبرق وما يتصل بذلك من ذكر الاستمطار وغيره ، وباب في النار وأنواعها وأحوالها ، وباب في الجهل والخطأ والتصحيف والتحريف واللحن وما أشبه ذلك ، وباب في الاحتيال والكيد والمكر والنكر والدهاء والخبث والخديعة والطر وخبث الدخلة وفساد النية ونحو ذلك . . . الخ . ولقد وجد الزمخشري في كتاب البصائر معينا لا يكاد ينضب من المادة الأدبية ، فأخذها وبوّبها ورتبها ، وإن تحقيق البصائر أو ربيع الأبرار ليحتاج إلى مقارنة الكتابين حتى يكون العمل تاما . بقي أن أشير إلى أن جار اللّه الزمخشري كان شديد التحرج من إيراد الهزل والنوادر السخيفة ، فكل ما يرد في كتاب البصائر منها ليس له ذكر في كتابه ربيع الأبرار .
أما شرح نهج البلاغة فإن صاحبه لم ينقل وحسب من كتاب البصائر ، وإنما كان شديد الإعجاب به ، وخاصة بمقدماته الدعائية ، وقد نقل عددا منها إلى شرح النهج ، وهناك مادة من البصائر موجودة فيه لا نجدها في مخطوطات البصائر ، وهذا يعني أنها - على الأرجح - تقع في الجزء الضائع منه ، وقد ألحقتها وغيرها في آخر هذا الجزء التاسع من الكتاب ، هذا علما بأن ابن أبي الحديد كان يمتلك على الأرجح نسخة كاملة من البصائر . ولعل خير ما يدل على إعجاب ابن أبي الحديد بكتاب البصائر ذلك النص الذي نقله عنه في تفضيل جعفر
البصائر والذخائر — صفحة 278
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٢٧٨