كتاب التوحيدي لا يتبع أي ترتيب في مادته على الإطلاق ، هناك ترتيب واضح في العناوين الكبيرة لدى الراغب الأصفهاني ، واسمها لديه « الحدود » ، فهنالك حد في العقل والعلم والجهل وما يتعلق بها ، وهناك حد في السيادة والولاية ، وحد في الإنصاف والظلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك . . . الخ ، وكلّ « حد » ينقسم في موضوعات فرعية ، فنجد في ضمن الحدّ الأول مثلا : « مما جاء في البلاغة وما يضادها » ، و « مما جاء في السرّ » ، و « مما جاء في النصح » ، و « مما جاء في الوعظ والمتعظين والآمرين بالمعروف والقصاص والمفتين » . . . الخ . وهذا النوع من التبويب فيه قدر لا بأس به من الترتيب ، وإن كان الترتيب التام ما زال ناقصا في الكتاب ، إذ ما علاقة « السرّ » مثلا ( وهو موضوع فرعي ) ب « حد » العقل والعلم والجهل ؟ وهكذا . ورغم ذلك كله فمن السهل أن نرى « ترتيب » محاضرات الراغب مقارنا ب « فوضى » البصائر . فإذا كان الأمر كذلك ، فهل من مجال للقول أيهما أخذ عن الآخر : أبو حيان أو الراغب الأصفهاني ؟ إن طبيعة الأشياء تفترض أن تأتي « الفوضى » قبل « الترتيب » ، ولا بد أن تكون المادة متفرقة قبل أن تصبح « مرتّبة » وهذا إن كان يعني شيئا فهو أنه إذا كان أحد الكاتبين قد اعتمد على الآخر ، فإن الراغب هو الذي نقل من كتاب التوحيدي لا العكس ؛ على أن القطع النهائي في هذه الناحية أمر متعذر .
وعندما ننتقل إلى الكتاب الأخير ، وهو كتاب نثر الدرّ للآبي نكون قد وصلنا إلى مرحلة متقدمة من مراحل التأليف والتصنيف . فالآبي يرتب « أبواب » كتابه - كما يسمّيها - ترتيبا دقيقا للغاية ، بحيث لا يحدث أي تداخل بين مادة الباب الواحد والباب الآخر ، فالباب الأول : في النظائر من القرآن الكريم ، والباب الثاني : كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والباب الثالث : كلام عليّ كرّم اللّه وجهه ، والباب الرابع : من كلام الأئمة رضي
البصائر والذخائر — صفحة 275
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٢٧٥