الفلاسفة ، ولكنني هنا أودّ أن أتوقف وقفة أطول عند المؤلفات المعاصرة للبصائر والتي تشترك معه في الطبيعة والمضمون ، أعني بها المجاميع الأدبية ، وهنا يجد الدارس ثلاثة كتب رئيسية : كتاب الجليس الصالح للمعافى بن زكريا النهرواني المعروف بابن طرّارا ، ومحاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني ، وكتاب نثر الدرّ للآبي .
أما كتاب النهرواني ، فما ظهر منه « 1 » ينبئ بأن لا صلة هناك بينه وبين كتاب البصائر ، والاختلاف بين الكتابين أشبه ما يكون باختلاف ما بين شخصيتي مؤلفيهما ، فالأول مغرم باللغة كلف بالغرائب ، والثاني نشيط يقفز من موضوع إلى موضوع ، يحبّ اللغة ولكن لا يصل بالقارئ إلى حدّ الإملال ، فإذا قارب الوصول إلى الإملال اعتذر « 2 » ، ويمزج الجدّ بالهزل ولا يتحرج من ذلك ، فكأنه في عمله مسرور منطلق لا كئيب منطبق . وعلى أية حال فإن مواطن الالتقاء عمليا بين البصائر والجليس الصالح قليلة محدودة .
ومع كتاب محاضرات الراغب الأصبهاني تختلف الصورة تماما ، وأول ما يلفت نظرنا هذا القدر الكبير جدّا المشترك بينه وبين كتاب البصائر « 3 » . فهل نقل أبو حيان عن الراغب أو الراغب عن أبي حيان ؟ إن كلا الرجلين لا يذكر الآخر في كتابه ، وأكثر ما تكون المواطن المشتركة بين الاثنين متباعدة ، وقلما تكون متتالية بشكل يلفت النظر ، وهذا يرجح أن كلا من الرجلين كان يعمل عمله مستقلا عن الآخر ، وإن كان متعاصرين « 4 » . غير أننا نلاحظ أمرا ، وهو أنه فيما
هامش
( 1 ) ظهر منه جزءان بتحقيق الدكتور محمد مرسي الخولي ( عالم الكتب ، بيروت ، 1981 - 1983 ) .
( 2 ) انظر مثلا الجزء الخامس ، الفقرة : 276 .
( 3 ) انظر نماذج من ذلك وحسب في جانب من الجزء التاسع وحده ، الفقرات : 71 و 73 و 76 و 112 و 116 و 146 و 154 و 161 و 162 و 163 و 226 و 227 و 319 - 321 و 357 .
( 4 ) لقد بتت قضية تاريخ وفاة الراغب بحدود سنة 404 .