أبا حيان نقله عن كتاب الزبير ، ولا تكون الموفقيات هي المصدر المباشر له ، وسنظل محدودين بهذه القيود إلى أن يتوفر لدينا عدد أكبر من مؤلفات الأولين ، وبخاصة وأن أبا حيان كثيرا ما يغفل ذكر مصدره في النصّ . أما حيث يذكر مصدره في النقل ، أو على الأقل يذكر اسم المؤلّف الذي ينقل عنه ، فإن الإشكال يقلّ أو يزول . ويبدو أن أبا حيان قد رأى - في مرحلة مبكرة من عمله في البصائر - أن يسند أخباره إلى رواتها سندا كاملا أو شبه كامل ، وخاصة في الجزء الثاني ، فإذا بنا نقرأ مثلا : ابن دريد عن الرياشي عن العتبي ( الفقرة : 65 ) ، السكري عن أبي حاتم عن أبي عبيدة ( الفقرة :
67 ) ، ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل الضبي ( الفقرات : 72 - 74 ) - ولكنه سرعان ما ترك هذه الطريقة ، ولم يعد إليها في سائر الكتاب ، وذلك - في نظري - تخفيفا على القارئ وخوفا من أن يقع في الملل .
ونظرا للتعقيد الشديد في طبيعة المصادر التي اعتمد عليها أبو حيان ، ولكثرتها أيضا ، فإني سوف أقسمها في أقسام بحسب الموضوعات الكبرى ، فأبدأ بمصادره في القرآن وتفسيره ، ثم في الحديث النبوي ، ثم في علم الكلام ، ثم في الطب والتنجيم ، ثم في النحو ، ثم في اللغة ، ثم في النقد الأدبي ، وأخيرا في الأدب .
أ - القرآن وتفسيره
كان القرآن على رأس ما اعتبره أبو حيان من منابع ل « أمهات الحكم وكنوز الفوائد » ، كما يقول في مقدمته على الجزء الأول ، وقد وصفه هنالك بأنه الكتاب الذي « حارت العقول الناصعة في رصفه ، وكلّت الألسنة البارعة عن وصفه ، لأنه المطمع ظاهره في نفسه ، الممتنع باطنه بنفسه ، الداني بإفهامه إياك إليه ، العالي بأسراره وغيوبه عليك ، لا يطار بحواشيه ، ولا يملّ من تلاوته ، ولا يحسّ بإخلاق جدّته . . . » . وقد جاء كثير من الآيات