كمن مزج الشراب الصافي بالكدر ، وبما يكدّره ويعنّي شاربه ويمنع من تورّده والارتواء به » « 1 » . وكانت التهمة الثانية قيامه بإدراج « النوادر الملهية ، والألفاظ السخيفة ، والمعاني المهجورة » « 2 » ، وهو ما يعيب كل كتاب مهما يكن شأنه . كذلك انتقد أبو حيان لأنه فتح صفحات كتابه للغة والنحو ، ومكانهما في غير مثل هذا الكتاب « 3 » ، وعلى أن جميع ما في كتابه أفضل من كتابته « 4 » ، بينما واجهه آخرون بالتشكيك المبدئي في قيمة عمل مبني على المختارات قائلين :
« وما في جمع ملح الناس ونوادرهم من علامة الفضل ودلالة الأدب وصواب الاختيار حتى يقال : ما قصّر أبو حيان في كتاب البصائر : نقد واختار ، ونقل وأمتار ، واعترض وطالب ، ودعا ورقّق ، واعتذر وقرّب ، واحتجّ وانتصر ، ومن هذا الذي يعجز عن مثل هذا ، بل من هذا الذي لا يزيد عليه ولا يأتي بخير منه ؟ » « 5 » وزاد بعضهم من قوة هذه التهمة الخطيرة حين وضع كتاب البصائر بإزاء كتب المختارات الأدبية السابقة عليه متسائلا بتشكيك : « ما مزية هذا الكتاب على جميع ما تقدم من الكتب . . . وهل ينتدب إنسان لجمع كلام وتأليف كتاب - مع هذا الاحتفال العجيب - إلا وهو يحب الزيادة على النقص ، ويودّ رفع جهل قد ثبت ، ويقصد رقع واهية قد تركت ؟ » « 6 » وهذه التهمة الأخيرة توصلنا إلى قضية من أخطر القضايا المتعلقة بكتاب البصائر ، وهي مكانه بين الكتب الأدبية حتى عصره .
هامش
( 1 ) من مقدمة الجزء السابع ؛ وانظر أيضا مقدمة الجزء الثامن .
( 2 ) من مقدمة الجزء الرابع .
( 3 ) من مقدمة الجزء الثامن .
( 4 ) من مقدمة الجزء الثامن .
( 5 ) من مقدمة الجزء الرابع .
( 6 ) من مقدمة الجزء الثامن .