ورغم الدفاع الشديد الذي قام به أبو حيان عن طريقته في عدم التبويب وفي مزج الجد بالهزل ، فإن حملة شديدة واجهته لأجلها ولأسباب أخرى سوف أتعرض لها بعد قليل . وقد بلغت هذه الحملة درجة كبيرة من العنف - فيما يبدو - اضطر أبو حيان معها إلى التعرض لها على صفحات البصائر ، وقد وصف نفسه إزاءها بأنه قد جوبة بالتعنيف ، ووجه باللائمة ، وجلف بالقذع ، وذكر بالشنآن ، وأن أصحابها قد أتعبوه وأكلوه وشربوه « 1 » . غير أن هذه الحملة المركّزة عليه لم تثنه عن عزمه ، بل جعلته يقف من مهاجميه موقف المهاجم ، واصفا إياهم إما بالحسد أو بالجهل ، وداعيا عليهم بعدم التوفيق فيما يرجونه له من الإخفاق « 2 » ، وإن ظلّ في قرارة نفسه يتمنى أن تكون اتهاماتهم له صادرة « عن صدور نقيّة » « 3 » ، وأن يجد حكما منصفا ، وأنّى يجد مثل هذا المنصف « 4 » ! وعلى أية حال ، فكل مرة كان يعود إلى عدم الاكتراث بما يقال عنه ، عملا بالقول « إن من أعار الناس أذنه حشوها شرّا ، وأوسعوه غيظا ، ولم يصغوا إليه إلا بعار الأبد ، وخسران الدهر ، وفوت الدنيا ، وذهاب الدين » « 5 » .
ويبدو أن مزج الهزل بالجدّ كان أكبر ما أخذ عليه في كتابه ، وهو نفسه يقول إن واحدا من « أهل الشرف والأدب » نظر فيما صدر من الكتاب فقال له : « إنك قد جمعت بين الفضل والهزل ، وبين العلم والجهل ، ومن شمّر في كتاب تشميرك ، وكدّ فيه كدّك ، نفي المنفيّ واختار المختار ، فالعطن يضيق عن تمام العزم في مطالعة الكلمة السخيفة واللفظة الشريفة ، ومن مزج هذه بهذه
هامش
( 1 ) من مقدمة الجزء الثامن .
( 2 ) الجزء الرابع ، الفقرة : 353 ج ؛ وانظر أيضا مقدمة هذا الجزء نفسه .
( 3 ) من مقدمة الجزء الثامن ومن مقدمة الجزء الرابع أيضا .
( 4 ) من مقدمة الجزء الثامن .
( 5 ) من مقدمة الجزء الثامن .