تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
أولا ثم لك أيها الناظر ، فقد علمت أنك من طينتي ، وجار على خليقتي ، تملّ كما أملّ ، وتكلّ كما أكلّ ، وتعرض لك الحال التي تدل على عجزك عن حظك ، ولولا أني وإياك على هذا النعت لما احتجنا إلى ما يتأدب به ، لأن التّمام كان لنا بالجوهر ، والكمال فينا بالعنصر . . . » « 1 » ولذلك خاطب أبو حيان القارئ بقوله : « . . . وإنما أتباعد قليلا ، وأذكر فصلا نحويا ، وفصلا كتابيا ، وفصلا كلاميا ، وفصلا فقهيا ، وفصلا فلسفيا ، وفصلا لغويا ، وفصلا شعريا . . . لشيئين ، أحدهما - وهو أكبرهما - أنك أيها القارئ إن تثبت على الكتاب ، وتبرأ من الملالة ، فستجد حرصا على الاستكثار من العلم ، وتنخدع للحكمة ، وتصل إلى حظك بخفة المئونة . . . » « 2 » . ولم تكن هذه الطريقة - في نظر أبي حيان - لتجور على هدفه في إفادة القارئ ووعظه وتثقيفه ، لأن تمييز الحسن من القبيح من أسهل الأمور ، « فإن العاقل يميّز الطيب من الخبيث ، والحقّ من الباطل ، والهزل من الجدّ ، ويتحلى بالأحسن ويتخلّى عن الأقبح » « 3 » ، بل هي طريقة أفضل من الطريقة المعاكسة لها ، ليس وحسب لأنها تمنع الثقل والكلال عن نفس القارئ « 4 » ، بل لأنها تجعل المتضادات متقاربة متجاورة ، فيبرز بذلك حسن الحسن وقبح القبيح ، « والشيء يظهر حسنه الضدّ » « 5 » ، والنفس متى لم تذق فرح الهزل كربها غمّ الجدّ « 6 » ، وضاع على الكاتب ما كان يرجوه من وصول إليها ونفع لها .
هامش
( 1 ) الجزء الخامس ، الفقرة : 386 . ( 2 ) الجزء الرابع ، الفقرة : 780 . ( 3 ) من مقدمة الجزء الرابع . ( 4 ) من مقدمة الجزء الرابع . ( 5 ) من مقدمة الجزء الرابع . ( 6 ) الجزء الأول ، الفقرة : 139 ؛ وانظر أيضا مقدمة الجزء السابع .