تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
إن قرائن الأحوال تدلّ على أن التوحيدي لم يكن منذ البدء يعتزم تبويب كتابه ، ولعله فعل ذلك اتباعا لطريقة الجاحظ - وكان من أشدّ المعجبين به « 1 » - أو لعلّ المادة التي كان قد جمعها كانت من الكثرة بحيث كادت تستعصي على التبويب ؛ غير أن السبب الرئيسي في اختياره تلك الخطة هو أنه كان مؤمنا بأن نثر المواد على ما اتفق ، وعلى ما عنّ وجرى ، بتراوح مستمر بين الموضوعات ، هو من أكثر الوسائل فعالية في إيصاله إلى هدفه من الكتاب ، وخاصة فيما يتعلق بشدّ القارئ إليه . ومن هذا المنطلق بالذات ، دافع أبو حيان عن طريقة مزج الجد بالهزل ، معطيا إياها أبعادا فلسفية نفسانية ، وهذا كله يؤكد أنه لم يرد منذ البداية وضع كتابه على شكل أبواب منتظمة . ففي رأس البراهين التي يأتي بها أبو حيان دفاعا عن هذه الطريقة تجيء مسألة شحذ ذهن القارئ ، إذ في رأيه أن التراوح بين الموضوعات ، وخاصة بين الجديّ والهزليّ منها ، يفتح شهوة القارئ على الاستمرار في القراءة دون كلل أو ملل ، ويقبل على الكتاب وهو « شهوان » « 2 » . والملل داء دويّ يصيب القارئ ، وحدوثه يتأتّى من استمرار الكاتب على وتيرة واحدة ، والاستمرار على وتيرة واحدة - من الناحية الفلسفية - مناف لتركيب الإنسان الأصلي ، إذ الإنسان مبني « على الضعف والقوة ، والعجز والقدرة ، والنقصان والزيادة » « 3 » ، أي على « الترجيح بين الأمور المتفاوتة » « 4 » ، وهذا أمر يعرفه الإنسان من نفسه ، كما عرفه أبو حيان من نفسه : « وهذه مداراة مني لنفسي
هامش
( 1 ) لأبي حيان كتاب عنوانه تقريظ الجاحظ ( انظر معجم الأدباء 5 : 382 ) لم يصلنا ووصلتنا بعض نقول منه في كتاب ياقوت ، وانظر أيضا مقدمة الجزء الأول من البصائر ، والجزء الخامس ، الفقرة : 782 ، والجزء الأول ، الفقرة : 581 ، والجزء الخامس ، الفقرة : 782 ( 2 ) الجزء الأول ، الفقرة : 139 . ( 3 ) الجزء الخامس ، الفقرة : 386 . ( 4 ) الجزء الأول ، الفقرة : 139 .
البصائر والذخائر — صفحة 239 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / وداد قاضي