« خزانة » لنفسه و « مرجعا » لدرسه « 1 » ، وكأنه بذلك يريد أن يقول إن هذا الكتاب يمثل ذاكرته الثقافية ووعيه الضميري لما مرّ به من تجارب وما استوقفه من نصوص عبر الأيام والسنين ، وذلك عندما كانت هذه الذاكرة تنطلق دون قيد وتسجلّ ما يحفر في النفس مكانا إلى الأبد ، وعندما كان ذلك الضمير يتحرك بحرية كاملة ، يجول بين الكتب والناس والأحداث ، فيقرّ فيه ما يقرّ ، ويذهب الزبد جفاء دون رجعة . فالكتاب إذن هو التوحيدي الحرّ ، هو صورة من الكاتب الحرّ والمثقف الحرّ ، هو ، بكلمات التوحيدي نفسه :
« تذكرة لجميع ما حوته الأذن ، وحفظه القلب ، وثبت في الكتب ، على طول العمر » « 2 » ، وهو أيضا « ثمرة العمر ، وزبدة الأيام ، ووديعة التجارب » « 3 » .
غير أن الكتاب كان يراد منه أيضا خدمة القارئ ، وتكون تلك الخدمة بإمتاع القارئ ، وبتثقيفه ، وبنفعه في آن معا . أما إمتاع القارئ فإنه يكون بما في الكتاب من هزل ، وأما تثقيفه ونفعه فيكون بما فيه من جد « 4 » ؛ قال :
« هذا الكتاب . . . وإن كان قد تأبط هزلا واستبطن سخفا وتحمّل مزاحا ، فإنه قد تضمّن أدبا وعلما ، وتوشح حكمة وفصاحة ، ودعا إلى اللّه أمرا وزجرا ، ودلّ على الخير إيجازا وإطنابا ، ونشر حكم اللّه رواية واستخراجا ، وأمتع النفس سرارا وجهارا . . . » « 5 » . وبهذه الطريقة يكون الكتاب « تبصرة من العمى ، وتذكرة من العيّ » « 6 » ، ويكون مفيدا للرفيع
هامش
( 1 ) الجزء السابع ، الفقرة : 767 .
( 2 ) الجزء السابع ، الفقرة : 66 .
( 3 ) الجزء الثاني ، الفقرة : 96 ب .
( 4 ) الجزء الرابع ، الفقرة : 538 : جعل اللّه هذا الكتاب لك طريقا إلى الاستمتاع بهزله والانتفاع بجده .
( 5 ) من مقدمة الجزء السادس .
( 6 ) الجزء الثاني ، الفقرة : 96 ب .